الأرشيف

والدي أسير في سجون الاحتلال

هذه القصة هي من وحي الخيال الذي صار واقعاً مراً لكثير من البشر في عصرنا .. عصرنا الذي غدا من الصعب أن تميز فيه الخيال الأسطوري عن الحقيقة الواقعية .. فالحقيقة ربما زيفها إعلام المحتل فاستحالت خيالاً ، والخيال المؤلم ربما يطبقه المحتل الآثم في أرض الواقع فيجعله حقيقة .

=======================================================

اثنا عشر عاماً قضيتها مذ ذهب ؛ كان عمري قبلها ثلاثة أعوام ، والآن خمسة عشر عاماً .. تطوف الخيالات في ذهني اليوم فلا أدري ، هل كنت طفلاً يومها ، أم أن مرارة المصيبة ـ التي لا يغيب عن خيالي شيء منها ـ جعلت مني شيخاً لا يتجاوز الربيع الثالث من عمره !!

كان عمري ثلاثة أعوام عندما جاء فيها جحافل الحاقدين من أذناب المحتل فأخذوا أبي بلا تهمة .. كانت مجرد بضع لحظات ذهب خلالها ، لكن كل لحظة مرت شعرت بها أعواماً طويلة .. لم تحتمل مخيلة الطفل البريء الذي كان ساكناً في أعماقي تلك المشاهد ، فبقيت راسخة في تفكيري لأعوام تالية ..

لحظات بقيت تائهاً بعدها اثنا عشر عاماً بلا أب يرعاني ويحضنني .. ألاقي مِنَّةَ فلان على صدقته ، ومحاولة فلان أخذ القليل الذي أملكه ، وغمز وهمز هذا وذاك .

تأرجحت بي كفة الدراسة بسبب الاضطرابات النفسية التي كنت أعانيها ، فرسبت عاماً تلو آخر حتى تركت المدرسة .. لم أكن مصيباً في تقصيري ، لكن الناس أيضاً ليسو مصيبين في الانتقاص مني وتقريعي ، في وقت كانت حاجتي فيه ملحة لليد الحانية .. لم أكن محتاجاً للنهر والزجر فالمجتمع كله من حولي يزجرني .

الوحيد الذي كان له الفضل علي وعلى عائلتي بعد الله هو عمي ، فقد حَمَّل نفسه أعباء الإنفاق علينا ، رغم العدد الكبير لأفراد عائلته ، ومرتبه القليل الذي بالكاد يكفيه .

اثنا عشر عاماً عشتها مع أسرتي في دوامة الإشاعات التي كانت تتأرجح بنا ، فتارة نسمع عن مفاوضات بشأن الأسرى بين التقدم الطفيف والفشل ، وتارة أخرى نسمع عن استبعاد قضية الأسرى من المفاوضات ، ومرة نسمع خبراً عن مقتل بعض الأسرى تحت التعذيب دون معرفة هويتهم ، وأخرى نلتقط أخباراً عن نقل بعض المعتقلين إلى معتقل كذا وكذا ، فهذا المعتقل أقسى من ذاك ، وذلك خاص بالمعتقلين لفترات طويلة والآخر لفترات قصيرة ، وكلها يجمعها عدم تسريب أي معلومات تتعلق بالأسرى ، فالداخل مفقود والخارج مولود .

وذات يوم سمعت في إذاعة أجنبية نبأً بإفراج الاحتلال عن بعض الأسرى ، بادرني كالعادة أمل مشوب بالشك في أن يكون هذا الخبر إشاعة مختلقة كغيره ، لكن هذا لم يمنع والدتي أن تطلب العودة من منزل أخوالي إلى منزلنا كعادتها عندما يشيع خبر كهذا .

في تلك الليلة غططت في نوم عميق ، لكن أمي لم يغمض لها جفن .. لم يكن يقطع هدوء الليل وسكونه المطبق ـ والقاتل أحياناً ـ إلا ابتهالات وتضرعات والدتي التي لم تنقطع طوال الليل .

وفي الساعة الثالثة ليلاً انقطع هدوء الليل بصوتٍ من نوعٍ آخر ، إنه صوت رنين جرس الباب ، فمن هو يا ترى ذلك الزائر في منتصف الليل ؟!!

بدأ قلب أمي يخفق بعنف ، ولم تعد رجلاها تقويان على حملها .. تتابعت رنات الجرس ، وتسارعت ضربات قلب أمي أكثر فأكثر .. اقتربت من الباب وقد تصارعت في داخلها نوازع الخوف والأمل ؛ الخوف من خبرٍ قاتم عن مكروه أصاب أبي يعلمها به أحد الخارجين الجدد ، والأمل في عودة الغائب المنتظر .. اقتربتْ أكثر فأكثر ، ثم قالت بصوت يتهدج : ” مَنْ الطارق ؟ “ . قالت ذلك وقلبها يقول : اللهم إني أعوذ بك من كل طارق إلا طارق يطرق بخير .

لم يكن الصوت القادم من خلف الباب غريباً .. إنه صوت أبي : أنا زوجك ، افتحي الباب .

فتحت الباب بيد ترتجف فوجدت وجهاً مألوفاً ، ولكن بأعين غائرة ووجه شاحب ، فلم تكن أيام السجن والتعذيب أياماً عادية .. فتحت الباب والفرح يغمرها ، وبدأ الدمع المنهمر ينسكب ويختلط بالبسمة العريضة ، في وجه لم يعتد معاني الفرح الحقيقي منذ أمد بعيد ، لقد أصبح وجه أمي لوحة تمتزج فيها كل المعاني والألوان .

ليس من المألوف أن ترى مشهداً لامرأة عطوفة ترى زوجها الحاني بعد غياب اثني عشر عاماً ، فهو لم يدخل السجن بسبب قسوته مع زوجته ، أو عنفه وإجرامه في المجتمع ، وهي لم تكن امرأة مهملة تنشغل عن زوجها وأولادها مع الأهل والصديقات وجلسات السمر ، ولم نكن نحن الأبناء من أولاد الشوارع الذين لا يعبؤون ببر آبائهم . بل كنا أسرة متماسكة كلها العطف والود والحنان ، ثم جاء الاحتلال ليكسر ذلك الكيان ، وليحطم قلوبنا بجريمته النكراء . فالمشهد بعاطفيته وعنفوانه مختلف تماماً عن مشهد تلك المرأة التي تلتقي زوجها القاتل أو اللص بعد خروجه من السجن لأول مرة .

بدأ كلامه بالسؤال عن والديه : ” أين والداي ؟ هل هما على قيد الحياة ؟ “ ، فأجابته بالإيجاب ، فذهب ليراهما ثم عاد إلي ليوقظني من نومي . ناداني بقوله : ” استيقظ يا بني .. استيقظ يا بني “ ..

استيقظت وصوبت النظر ، فأصابتني لحظة وجوم .. وصُعِقْتُ بما رأيت .. ناديته بفرح : ” أبي .. أبي “ ، ثم أَلْجَمَت المفاجأةُ فمي فلم أنطق بغيرها . كلمة لم أنطقها من اثني عشر عاماً ، وأخي الأصغر لم ينطق بها أبداً .

جميلة هي كلمة ” أبي “ ، وجميلٌ أيضاً أن يكون لنا من يعولنا ويربينا ويعلمنا دون منة أو ظلم أو إهانة . وسيئة للغاية جريمة الأسر دونما تهمة ، وأشد جرماً ألا يحس العالم بأحزاني ومأساتي ، ويغط في نوم عميق في ملذاته وخلافاته .

إنه يوم لا ينسى ذلك اليوم الذي ذهب فيه أبي ، فأرجو من الله أن يحفظه لي أبداً ، ويحفظ آباء المسلمين جميعاً من هذا الظلم الذي لحق بي وبأسرتي .

ويوم لا ينسى ذلك اليوم الذي عاد فيه أبي ، ولكم أتمنى أن يمر ذلك اليوم على كل الأبناء الذين فقدوا آباءهم في سجون الاحتلال .

يومان من عمري هما ملخص مجمل لتاريخي حياتي وحياة عشرات الألوف من الذين اعتقل آباؤهم على يد الاحتلال ثم أُفرج عن أقل القليل منهم ولم يُفرج عن أكثرهم .

Advertisements