هل هذا عرس ؟!! – الجزء الأول : سباق داحس والغبراء

داحس والغبراء هما مخلوقان يمشيان على أربع قوائم ، ومشكلتهما أنهما محكومان من غيرهما ، ولو تركا لفطرتهما لكانا على أحسن حال .

داحس حصان لقبيلة عبس ، والغبراء فرس لقبيلة ذبيان ، ولو تركا لفطرتهما لتزوجا وانتهت المشكلة ، لكن أرباب الحجا من القبيلتين أصروا على الدفاع عن مشاعر داحس ، والحفاظ على كرامة الغبراء .

فكانت النتيجة حرباً مدتها أربعون عاماً بين القبيلتين !!

لا أدري من هو الأعقل منهما ؛ أهما الفرسان ، أم القبيلتان ؟!!

قصتنا مشابهة تماماً لقصة داحس والغبراء ، وتبدأ عندما جاءت لجنة مشتريات من قبيلة عبس لتفحص مستوى جودة “ الغبراء ” ، ولتساوم على أفضل سعر فيها .

لم تكن “ الغبراء ” مطابقة للمواصفات والمقاييس التي في قائمة قبيلة “ عبس ” ، فلم يكون لونها أبيضاً ، ولا شعرها أشقراً ، ولا عيناها زرقاوان ، ولم تكن ماشقة الطول ، بل قوائمها قصيرتان أشبه بالأتان منها للفرس . بل كانت مخالفة لمعاير الجودة العالمية ، فلم تكن منفتحة على حمير الجيران وأحصنتهم !!

لكن صاحبنا “ داحس ” كان ـ فيما يبدو ـ حماراً ولم يكن حصاناً ، وأصر بعنف على “ الغبراء ” دون غيرها ، وذلك لسبب بسيط ، وهو أنه قد رآها تسير أمام الفتحة المخصصة له في اصطبل بني “ عبس ” . وقال رأيه بصراحة : الموضوع غير قابل للتفكير ولا للنقاش !!

وبدورها كانت مندوبة المبيعات في قبيلة “ ذبيان ” تفكر بحكمة وبعد نظر ، فلم تفكر القيمة الحالية التي ستدفعها قبيلة “ عبس ” ، وإنما كانت تفكر في المستوى المعيشي لـ “ داحس ” ؛ ما هي مخصصاته من العلف ؟! وما هو عدد مرات خروجه إلى المرعى ؟! بل وما هو نوع المرعى ، أهو من فئة الخمس نجوم أم الثلاث فقط ؟! ومع أنه حصان إلا أنها لم تغفل عن السؤال عن نوع الحمار الذي قد خصصته له قبيلة “ عبس ” ، إذ من المؤكد أن داحس والغبراء سيصيبهما بعض الملل ، وسيحتاجان لتنسم الهواء الطلق على ظهر حمار من نوع “ شبح ” ، أو “ نملة ” على أقل تقدير !!

ولم تنس مندوبة المبيعات أن تفكر بالإرث الذي سيحصل عليه “ داحس ” من القبيلة بعد انقراضها .

كانت جلسة المفاوضات حامية ومصيرية ؛ لأنها ستقرر مستقبل “ الغبراء ” ، بل ومستقبل قبيلة “ ذبيان ” بأسرها .

ومع القليل ـ وربما الكثير ـ من الكذب ـ الذي هو من ضرورات عمل لجان المشتريات في الجاهلية ـ أجابت اللجنة على كافة أسئلة مندوبة “ ذبيان ” . ثم ألمحت بأن السلالة الطاهرة للفرس “ الغبراء ” ، والأصل الطيب ، والعائلة العريقة ، والنسب الرفيع يوجد لديهم رغبة صادقة في عقد الصفقة .

ما إن شعرت مندوبة مبيعات “ ذبيان ” بأن الصيد قد أمسك بالطعم ، حتى بدأت في التلميح بشروطها التفصيلية . فـ “ الغبراء ” بنت عز ودلال ؛ لا تأكل طعامها إلا طازجاً من المعلف المجاور لاصطبل القبيلة ، ولم تقم “ في حياتها كلها ” بتنظيف الاصطبل ، فهذا مهمة رجال القبيلة … أقصد من النفقات الواجبة على رجال القبيلة ، والعرف يقول : “ الذي يوسخ ينظف تحته ” ، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً ، والذي أوله شرط آخره نور .

ولم يكن هناك مفر أمام لجنة مشتريات “ عبس ” من الموافقة على كل مطالب مندوبة “ ذبيان ” ، استجابة لرغبات الحصان بل الحمار وربما الأحمق المدلل “ داحس ” .

والغريب في الأمر أن قبيلة “ عبس ” لها ثقة عمياء بكل عقود واتفاقيات لجنة مشترياتها ، فلم تفكر أبداً في قدرة الخزينة على تغطية طلبات مندوبة مبيعات “ ذبيان ” ، والظاهر أنهم اكتفوا من اللجنة بعبارة : “ تريدون أن يقولوا عنا بخلاء من أولها !! خلوا الغبراء تصير عندنا وسنريهم نجوم الظهر ” .

أما مندوبة قبيلة “ ذبيان ” فكانت تتصرف كرئيسة قبيلة ، وقبيلة “ ذبيان ” ـ على سن ورمح ـ ليس لها حس ولا صوت ؛ لأنها تراقب بتحفز وحذر “ من بعيد ” ما يحصل بين المتفاوضين !!

أما “ الغبراء ” فليس لها ـ حتى الآن ـ دور إلا العبث بمشاعر “ داحس ” ليضغط على قبيلته حتى تستجيب لكل إملاءات وشروط مندوبة “ ذبيان ” .

هنا بدأ السباق الطويل والعنيف بين القبيلتين في المظاهر والرياء الاجتماعي . فلابد أن تسمع القبائل العربية كلها عن هذه الصفقة العظيمة ، ولا مانع إن سمعت إمبراطورية فارس والروم عنها أيضاً . ولماذا ننتظر أن تسمع ؟! فسنقوم نحن بدعوة مسؤولي الإمبراطوريتين لحضور توقيع هذه الصفقة . ومن يدري ، فلعلهما يوقعان اتفاقية سلام بهذه المناسبة الكريمة ؟!!

وبما أن حفلة توقيع العقد سيحضرها كسرى قيصر وهرقل الروم ـ أو ربما سيحضران ـ فلابد من الاستعداد والتجهيز لها بشكل جيد . لذا يجب علينا أن نقيم مجموعة من الحفلات الممهدة لإقامة هذا الحدث العظيم .

مجموعة من الحفلات ندرس فيها المكان المناسب لإقامة حفلة توقيع الصفقة ، والتجهيزات المناسبة التي يمكن أن تظهر من خلالها القبيلتان بأحسن صورة أمام المجتمع الدولي ، والقائمة المناسبة من المدعوين … المدعوين الذين لا يهز وجودهم في الحفلة من مكانة القبيلتين ، و لا يشوه صورتهما … المدعوين الذين قد نلغي الحفل بسبب وجود أحدهم أو غياب الآخر .

الحفلة الأولى هي حفلة تشكر : حفلة يتعرف من خلالها أفراد القبيلتان على بعضهما .

الحفلة الثانية هي حفلة خطبة : حفلة تتقدم فيها قبيلة داحس علنياً أمام الناس بطلب الغبراء .

الحفلة الثالثة هي حفلة مليك : حفلة تقدم فيها قبيلة داحس قيمة الغبراء لقبيلتها علنياً أمام الناس .

الحفلة الرابعة هي حفلة كتيب : حفلة يتم فيها كتابة عقد النكاح وإشهاره بين داحس والغبراء .

أن يتحول “ داحس ” من حصان إلى حمار ، وأن تتحول “ الغبراء ” من فرس إلى أتان ويرفضا التفكير ، بل ويرفضا حتى محاولة التفكير (النقاش) ، فلا مشكلة في ذلك . أما أن ترفض قبيلتان كاملتان إعمال العقل ، فتلك هي المشكلة ، بل هي المصيبة والكارثة بعينها .

وكما قالوا في المثل العامي : “ يا آخذ القرد على ماله ، ذهب المال وبقي القرد على حاله ” .

ونسيت القبيلتان أن الحمار عندما يتزوج فرساً فسينتج بغلاً !! ولا أدري إن كانت أمتنا ينقصها المزيد من البغال !! بل لا أدري أهو الحمار وهي الفرس ، أم هو الحصان وهي الأتان ؟!!

فإن كان حماراً وهي أتان فوضعنا بخير ، لأننا بحاجة للكثير من الحمير التي تصبر على نقص العلف ، وتصبر على الأحمال الثقيلة التي سيضعها أعداؤنا على ظهورنا !!

بل نسيت القبيلتان أن السباق المزيف ـ والمليء بالكيد والمكر من الطرفين ـ ستكون نهايته حرباً طاحنة تستمر أربعين عاماً .

لكن لا مفر ، فهذا هو المجتمع الجاهلي المقيت الذي لا يفكر !! وإذا فكر فإنه يفكر في مصالحه ونزواته وشهواته !!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s