هل هذا عرس؟!! – الجزء الثاني : عرس صاحب الجلالة

يبدأ المسلسل بشخص يطرق عليك الباب ، ويسلمك حقيبة ورقية فيها مغلفان ؛ الأول فيه قطعة من الكريستال باهظة الثمن ، تكفي قيمتها لإطعام عشرة عوائل لمدة ثلاثة أيام بلا مبالغة . والظريف في الأمر أن هذه القطعة عليها رموز سريانية تفيد بأن أول حرف من اسم العروسين (؟ و ؟) ، وكأنهما بهذا العرس سيدخلان التاريخ . مع أننا لم نخرج من التاريخ إلا بعدما دخلنا في هذه الدوامة من البذخ والترف غير المبرر لا شرعاً ، ولا عرفاً .

أما المغلف الثاني فهو برقية عاجلة من الإمبراطور الإغريقي يخبرك فيها بزواج ابنه فلان من ابنة الملك الفلاني ، وكأن أحداً لم يزوج ابنه من قبل غير هذا الإنسان !! أو أن رسالته لن تصل إن كانت البطاقة أنيقة ومتواضعة !!

الحلقة الثانية عندما تقود سيارتك باتجاه الصالة المدون اسمها على بطاقة الدعوة . تقود سيارتك وأنت تفكر : لماذا في الصالة مع أن صاحب الدعوة يملك بيتاً واسعاً ؟! لماذا لم يعد في بيوتنا مكان للفرح ـ ومؤخراً ـ ولا حتى للحزن ؟!! أصبحت بيوتنا ساحات ـ وأحياناً أقفاصاً ـ خربة مهجورة !! وربما مهاجع في دارٍ للأيتام ، لكن الأيتام فيها هم أبناؤنا !! ونحن سدنتهم الذين يعودون إلى فرشهم في آخر الليل ليمارسوا غريزة النوم !!

قديماً قالوا : بيت الضيق يسع ألف صديق . لكن مع المحبة والألفة ، والإيمان بأن الألفة والمحبة في الله أعظم وأهم من ملايين الدنيا كلها .

واليوم قالوا : بيتنا دفعنا فيه مبالغ باهظة فلا يعقل أن نتلفه في حفلة !! فأين المبالغ الطائلة التي أنفقت في الصالة ؟!!

ميزان مكسور ، وخط أعوج ، ولكن إن طلبت ذلك “ المدام ” فيجب على صاحب الجلالة قائد البيت أن ينفذ !!

الحلقة الثالثة تبدأ عندما يتوه عنك عنوان الصالة ، فما عليك إلا أن تتبع الصوت العذب للفرقة الإنشادية التي استأجرها أصحاب العرس . صوت شجي ندي ، ولحن عذب رائق .. تقترب أكثر من موضع الصوت فيزداد الصوت ارتفاعاً .. تزداد ضربات قلبك ويقل حنو الصوت عليك .. تقترب أكثر ، فتزداد الضجة وتنعدم الطمأنينة …

لكن الكارثة تبدأ عندما تدخل القاعة ، فالصوت يصبح كالمطارق التي تضرب أذنيك ورأسك ، ثم كالطعنات التي تصعق قلبك بخناجر موصولة بتيار كهربائي عالي التردد !! وعندها لا يمكنك أن تسمع شيئاً غير الضوضاء ، أو بالاصطلاح المعاصر التلوث السمعي ..

عندها لا يمكنك أن تفهم كلمة واحدة مما يلقيها عليك المنشد أو الفرقة الإنشادية ، عدا عن أن تستمتع أو تهدأ نفسك لشيء كان يسمى : “ الصوت العذب النمير ” !!

لا أدري يومها إن كنت قد دخلت حفلة إنشادية في عرس ، أم حفلة لفرقة رووك أو بوب أمريكية !! لكني اضطررت أن أفعل كما كان يفعل والدي من اللحظة الأولى لدخوله . التقطت منديلاً من على المنضدة التي جلست حولها ، ولففت جزأين منها بإتقان ، ثم وضعت الأول في الأذن الأولى ، والثاني في الثانية .. عندها أحسست بمتعة فائقة ؛ لأن القدر الواصل من الصوت إلى طبلة أذني والمتبقي بعد لفافة الورق المحشورة بإحكام كان كافياً للاستمتاع بأصوات المنشدين !!

وبما أن القاعدة تقول : التمس لأخيك ألف عذر ، فلم أجد عذراً لهذا الصوت المرتفع والضجيج إلا عذراً واحداً فقط . وهو كثرة الفضوليين في عصرنا ، وبالتالي يطرد هذا الضجيج الفضوليين ، ويعمل ذات الدور الذي يقوم به الطارد الإلكتروني للحشرات والبعوض .

أما الحلقة الرابعة فتتمثل في المفاجأة التي تنتظرك داخل القاعة ، فإنك لن تجد أحداً من المدعويين ؛ لأنه من الواجب عليك أن تتأخر عن الموعد المسجل على البطاقة من ثلاث إلى أربع ساعات . ولا أدري ما فائدة البذخ في تلك البطاقة إذا كانت الرسالة المكتوبة فيها غير صحيحة .

الحلقة الخامسة كانت في شكل القاعة وزينتها الذي ذكرني بكتاب قرأته يتطاول فيه كاتبه على هارون الرشيد ، والخليفة المنصور ، وأحياناً يغمز فيه معاوية بن أبي سفيان ^ . يدعي فيه الكاتب أنهم قمة في البذخ والاستهانة بمقدرات الشعوب !!

لم يكن العرس الذي ذهبت إليه عرساً لحاكم ، ولا مسؤول ، ولا حتى لواحد من الأثرياء ، ولكنه عرس لفرد من الطبقة المتوسطة !! فيا ليت المؤلف يأتي ليصلح مجتمعه الفاسد ، بدلاً من نبش القبور ومحاسبة ساكنيها ، فالأموات سلموا إرث ثرواتهم إلينا ، ونحن من يبددها الآن ! ونحن من يستحق المحاسبة اليوم !! سلموا لنا كل شيء .. حتى القيم التي التزموا بمعظمها ، وتخلينا نحن عن معظمها !!

ثم أصبحنا بعد ذلك نحاسب الأموات في قبورهم تهرباً من المسؤوليات الملقاة على عواتقنا !! وهذه حيلة العاجز !!

الحلقة السادسة تستمتع فيها بسماع القدود والمواويل الحلبية ، وتتمنى لو كانت بصوت أهدأ من ذلك لتفهم ما يقوله المنشد ، وأنت في غمرة التفكير والتركيز في حل رموز الأصوات الصاخبة من حولك تفاجأ بالمنشد يسحب موالاً بديعاً ، ويتأوه آهة طويلة بنفس عميق . وما إن ينتهي المنشد من آهته تلك حتى ترى الجمهور حوله يتقافزون من على كراسيهم ، ويتصارخون بعبارات ليس لها علاقة بآهات المنشد أو عباراته . لا أدري أين ضاع إنصات الحضور وسمتهم ؟!! وما الذي جعل البشر يموجون فجأة ، كأغنام بلا راع قد باغتهم الذئب ، أو كأحصنة بلا لجام هاجت في إصطبلها من الفزع ؟!!

الحلقة السابعة عندما تغفو وتستيقظ وحفلة العرس مستمرة لا تريد أن تنتهي ، وكأنك من لحظة دخولك إلى القاعة قد دخلت نفقاً مظلماً ليس له نهاية . تنظر من حولك فتجد عيون الحاضرين كعيون السباع المتحفزة ؛ فإما أنهم قوم لا ينامون ، أو أنهم من الكائنات الليلية التي تنام في جحورها نهاراً وتستيقظ ليلاً .

ألم يعد في مجتمعنا كادحون في طلب الرزق من الصباح الباكر ؟! والنبي % يقول : “ اللهم بارك لأمتي في بكورها ” [السنن الأربعة ، وأحمد] .

لا عذر لهم بعد اليوم في التشكي من قلة الرزق ، فهذا البذخ لا يدل على ذلك أبداً . والواجب عليهم أن يتشكوا من قلة البركة ؛ لأنهم يخالفون سنن الكون في النوم والاستيقاظ ، وفي إنفاق الأموال في غير وجهها السليم الذي وضعت له .

وهذا لا يعني تطبيق حكم الحجر على السفيه ؛ إذ لا يعقل أن يحجر القاضي على 90 بالمائة من مجتمعنا !! ومن سيحجر على القاضي حينئذ إن كان منهم !!

الحلقة الأخيرة ـ والتي تمثل عادةً في المسلسلات قمة الفرح أو المأساة ـ هي في مسلسلنا غاية في المأساوية ، فقد شاع بعد ثلاثة أشهر أو ستة ، وأحياناً سنة ونصف أن يحصل الطلاق بين العروسين !!!

فوا أسفا على القيم الفاشلة التي فشت في مجتمعاتنا !!

وا أسفا على تلك النماذج التي أصبحت قدوة للمزيد من العناصر “ الإمعة ” في المجتمع !!

وا أسفا على الأفراد الذين لا يملكون أن يقولوا : لا ، للعادات الفاسدة في المجتمع !!

وا أسفا على الآباء الذين لا يملكون أن يقولوا : لا ، لزوجاتهم عندما يطلبن من أزواجهن ما لا يطيقون في مسلسل الترف والرياء الاجتماعي !!

وا أسفا على تلك الأموال التي ضاعت في قطعة الكريستال ، وبطاقة الدعوة ، وصالة الأفراح ، والفرقة الإنشادية المميزة ، وفريق الخدم والحشم ، و.. و.. و.. ، وملايين البشر يموتون جوعاً ؛ لأنهم لا يملكون لقمة الطعام ، أو حبة الدواء ، أو يعانون من حصار ظالم لأنهم أصحاب مبدأ !!

وا أسفا على ذلك الشاب وتلك الفتاة اللذان خرجا من الحياة الزوجية كما دخلا فيها ، فلم يعلم المتزوج لماذا تزوج ، ولا المزوجة لماذا زوجت !!

وا أسفا على تلك الفتاة التي وئدت في ريعان شبابها تحت حطام المجتمع المحترق !! فيا ليتها كانت خشبة سقطت فوق رأسها فأفقدتها صوابها فاستيقظت كما حصل مع الشاب الذي خسر ماله ، لكنها النار التي حرقت قلبها ، وضيعت مستقبلها !!

لم تعد بالحال التي كانت عليها ، ولا بالجمال الذي كانت عليه سابقاً ، حتى يطمع بها عباد الجمال . ولم يقم أهلها بتربيتها على العقل والحكمة حتى يسعى إليها العاقل إن غاب الجمال !!

وإن ربوها على العقل والحكمة ، فأين الشاب العاقل الذي يبحث عن ذلك !!

وا أسفا على أسفي الذي لا أجد معه غير الأسى والأسف !!

فالجريمة تبدأ بفعل إنسان ، والإصلاح يبدأ بفعل إنسان . { فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره } .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s