العربية بين يديك: المجلد الرابع: الدرس الخامس والثمانون: آثار الثقافة الإسلامية:

كان من آثار الثقافة الإسلامية الأصيلة أنها قدمت للفكر الإنساني جديداً في كل جانب من جوانب نشاطه. تعتمد هذه الثقافة الأصيلة على الكتاب والسنة، وعلى نظرة الإسلام إلى الإنسان وتكريمه. لم تُسهم أي أمة من أمم الأرض بقدر ما أسهم المسلمون في التقدم البشري خلال عصر ازدهار العلوم عند العرب والمسلمين. وظلت اللغة العربية لغة العلوم والآداب والتقدم الفكري عدة قرون في جميع أنحاء العالم المتمدن آنذاك.

لقد نشأت الحاجة عند المسلمين إلى التعرف إلى القرآن، وسيرة الرسول – صلى الله عليه وسلم – وأصول هذه المعرفة، فظهرت علوم التفسير والسيرة وعلم الرجال. ونشأت الحاجة إلى فهم أصول التشريع، فظهرت علوم الفقه والأصول. وطمح المسلمون إلى مزيد من التعرف إلى أحوال الكون؛ لتسخيره وإعماره، فظهرت العناية بالعلوم التجريبية والمجردة، كالرياضيات والفلك والكيمياء.

إن المنهج العلمي التجريبي – الذي تدين له الحضارة الحديثة، بما وصلت إليه من كشف واختراع – يُعدّ أحد منجزات المسلمين، فقد كانت الحضارات القديمة – وخاصة اليونانية، التي عرفها المسلمون أكثر من غيرها – تجهل الطريقة التجريبية وتحتقرها، ولا تُعنى إلا بالدراسات النظرية المجردة. وكان الفلك والرياضيات أول العلوم التي لفتت أنظار العلماء المسلمين، حتى لقد تعدى الاهتمام بالفلك العلماء أنفسهم إلى الخلفاء والأمراء والسلاطين.

أما في الرياضيات؛ فقد اكتشف العلماء المسلمون الكثير من المبادئ الأساسية للحساب والجبر والهندسة. إن الجبر – على أغلب الأقوال – من اختراع المسلمين، وإن الأعداد وطريقة العد التي تستعمل فيه حتى الآن من اختراع إسلامي. وحين نذكر إسهام المسلمين في الرياضيات – والصفر بصورة خاصة – لا نستطيع أن ننسى رئيس بيت الحكمة الخوارزمي، وما أسهم به في علم الجبر. وإذا كان غير المسلمين قد سبقوا إلى دراسة الفلك والرياضيات، فإن المسلمين قد أوجدوا علم الفيزياء، ولا شك أن كتاب البصريات لابن الهيثم يعد من أهم منجزات العلماء المسلمين في هذا الفرع من العلوم؛ فقد كان بداية علم الضوء والمرئيات الحديث. ويدل على أثر المسلمين في هذا العلم أن كثيراً من المصطلحات المستعملة فيه حتى الآن من أصل عربي. ومن الاختراعات التي

‫كانت ذات فائدة كبيرة في الصناعة: ملح البارود، وصناعة الورق من القطن والكتان والخرق.

أمّا الطب فقد كان مجال عناية فائقة منهم. ولعل ذلك أحد الدلائل على عناية المسلمين بالإنسان وجميع متطلباته. وكان للأطباء المسلمين أثرهم البالغ في الدراسات الطبية، وطريقة المعالجة في الغرب، فقد ظلت مؤلفات الرازي وابن سينا وابن زهر أساس الدراسات الطبية في الجامعات الأوروبية قروناً عديدة. أما ابن سينا؛ فلا شك أنه كان أعظم طبيب عرفه العالم في زمنه، وقد استُعمل كتابُه القانون في الطب في الجامعات الإيطالية والفرنسية، طيلة ستة قرون كاملة، أي من القرن الثاني عشر إلى القرن الثامن عشر الميلاديين.

أما في ميدان الدراسات الجغرافية؛ فقد برز المسلمون بروزاً واضحاً. وفي زمن المأمون رسم الخوارزمي ومساعدوه خريطة للسماء والأرض، وقاموا بمحاولة ناجحة لقياس محيط الكرة الأرضية، ثم صنع الإدريسي كرة سماوية وخريطة للعالم، وكان من أبرز ما وصل إليه أنه رسم خريطة للنيل، أبرز عليها منابع النيل الأصلية التي اكتشفها الأوروبيون بعد ذلك.

(معالم الثقافة الإسلامية لعبد الكريم عثمان؛ بتصرف).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s