العربية بين يديك: المجلد الرابع: الدرس الثالث والثمانون: في الأرض المقدسة:

(1) سألني في شيء من الاستغراب، ورآني أعد حقائبي للسفر إلى مكة المكرمة، لأقوم بالعمرة: أحقاً ستسافر لأداء العمرة؟ حقاً ستذهب إلى مكة؟ قلت له في هدوء: نعم يا صديقي، سأسافر إلى مكة، وسأقوم بأداء العمرة. أريد أولاً أن أقضي منسكاً من مناسك الإسلام، وأريد ثانياً أن أرى وألمس الأرض التي أنبتتني رمالها. إني أشعر في أعماق نفسي أن دمي من تلك الرمال، من جبل أحد، من ساحة بدر، من غار حراء، من ماء زمزم. كل أولئك اختلطت، فكونت هذا الإنسان الذي يُسمى عبد المعين. وسافرت إلى مكة.

(2) كُنا في السيارة من جدة إلى مكة المكرمة، وكنت أحاول في سذاجة أن أطوي الأرض طياً، فلا أستطيع. وأطلت علينا مكة المكرمة، فصرت أحاول في سذاجة أن أخترق بعيني البنايات العالية والشوارع المزدحمة، وأنا أرى جدران البيت الحرام. ما أصعب أن يسبقك قلبك إلى بيت الأحبة، ويبقى جسدك أسير اللحم والعظم!! كنت أحترق لهفة وتطلعاً. وما فائدة أن تحترق قبل أن تصل؟ وصلنا، وكبرنا الله تكبيراً: الله أكبر.. الله أكبر.

إنها الكلمات التي تُنير طريقنا إلى الله، إلى الحق والقوة. كان حرم مكة يتلألأ. ما أصعب أن يسبقك قلبك إلى بيت الأحبة!

(3) هاهنا كانت بئر زمزم تشح وتكادُ تغيض، فحفرناها، فتدفّقت. هاهنا كانت الكعبة تكادُ تتداعى، فحملنا إليها الأحجار والطين، وأعدنا بناءها من جديد. هاهنا كانت الكعبة عارية، فنسجنا لها رداءها من عيوننا وكسوناها. هاهنا كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يسجدُ لله، فكان الكفار يزاحمونه، ويزعجونه، ويلقون عليه – وهو ساجد – التراب والشوك، فأزلنا عنه ما رماه به الكفار، وانتصرنا عليهم، وتمّت كلمة ربنا. وطفنا بالكعبة المشرفة. ما أكثر الناس الذين طافوا بها قبلنا، والذين يطوفون الآن بها معنا. إنك تشعر وأنت بين الناس في الزحام أنك أصبحت أشد قوة، وأمضى عزيمة، وأكثر ارتباطاً بالإنسانية. وتم الطواف، ومضينا للسعي بين الصفا والمروة. من أين جاءتني هذه القوة الدافقة؟

(4) كنت أسير في بطء، وأعتمد على عكاز؛ لأني كنت أعاني بقايا الشلل. أما الآن فأنا أطير طيراناً، أجري جرياً، أسبق الشباب، وأسعى وأسعى في فرح ونشاط، وأردِّدُ كلمات الله، وأدعو دعوات يفيض بها جناني، فتسيل على لساني؛ لكأنها ينبوع ماء جف ذات يوم، وها هو ذا الآن يعود غزيراً، ليتدفق من جديد. أدينا الصلاة حول الكعبة حلقات حلقات. وفجأة خيل إلي أن الحلقات تنداح وتتسع، حتى تعم الأرض جميعها. ما أحلى أن ترى الناس في كل أرجاء الأرض يصلون لله وحده، ويؤمنون به وحده، ويهتفون من قلوبهم هذا الهتاف الجليل!! الله أكبر… الله أكبر. وانتهت الصلاة، وانتهى الطواف والسعي، ومضينا إلى بطحاء مكة. ها هنا رأيت عمار بن ياسر يُعذَّب عذاباً يهدّ الجبال، ولكنه لا يهدّ الرجال. ها هنا رأيت كفار قريش يغطونه في الماء ليفتنوه عن الإسلام، فيزيدونه إيماناً.

(5) هاهنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء، ثم إلى الأرض، ويقول: “صبراً آل ياسر.. أبشروا فإن موعدكم الجنة”. هاهنا رأيت ياسراً يقبل على الموت، كأنه مقبل على بستان.

هاهنا رأيت أمه (سمية) تُقبل على الموت، كأنها تذهب إلى عرس. أدّيت صلاة الفجر في الحرم، وكان المسلمون الذين يؤدونها في مثل عدد الذين أدوا صلاة المغرب أمس، بل ربما كانوا أكثر عدداً. ما أبعد الذين يتهمون المسلمين بالكسل عن الصواب، وما أنآهم عن الحق. إن هؤلاء الذين يستيقظون عند الفجر، فيهجّرون أسرتهم ويتوضؤون، ويسرعون إلى المسجد، فيؤدون الصلاة؛ يسجدون في خشوع، ويركعون في خشوع، ثم يمضون إلى أعمالهم في نشاط وسعادة. لقد أدّوا حق ربهم عليهم، ومضوا ليؤدوا حق الحياة. وتعالى صوت المؤذن. سمعت بلالاً يرسل صوته العذاب القوي، فيصبه دماءً في قلبِ الليل، فيطلع الفجر أحمر زاهياً يلبي نداءه. ليس المسلمون كسالى، وليسوا ممن يرضون الذل والهوان. ومن هذا الحرم – ومن جوانبه – خرجوا إلى العالم كله ليسمعوه كلمة الله: لا إله إلا الله. وقد سمع العالم كلمة الله، ولبّاها في كل بقعة من بقاع الأرض. والمسلمون اليوم في حاجة إلى أمثال أولئك الرجال، الذين خرجوا من جزيرة العرب، فأترعوا أرجاء العالم إيماناً ونوراً.

(6) هنا سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وقد ارتدت العرب؛ إما عامة وإما خاصة، في كل قبيلة. ونجم النفاق، واشرأبت اليهود والنصارى، وأصبح المسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية، لفقد نبيهم، وقلتهم، وكثرة عدوهم. وقال له الناس – وقد أمر جيش أسامة بالمسير-: إن هؤلاء جُل المسلمين، والعرب – على ما ترى – قد انتقضت عليك، فليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين. هنا سمعت أبا بكر يقول بصوته الهدار بالإيمان: والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننت أن السباع تتخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يبق غيري في القرى لأنفذته. هنا رأيته يشيع جيش أسامة، وهو ماش وأسامة راكب، فقال له أسامة: يا خليفة رسول الله؛ والله لتركبن، أو أنزلن. فقال: والله لا تنزل، ووالله لا أركب.

(7) ومضيت إلى البقيع، ووقفت أمام أسواره وجدرانه متسائلاً: أيمكن أن تغص مقبرة من المقابر في العالم بأموات أكثر شرفاً وبطولة وعظمة من هؤلاء الأموات، من الشهداء والعظماء؟ كانت القبور بسيطة، أكثرها ترابي دارس، لم تكن القبور من رخام ولا مرمر، ولم تكن هياكل شاهقة، ولا مدافن رائعة مُزخرفة، بل كانت قبوراً بسيطة، من تراب وحصى.

(8) ومضيت إلى جبل أحُد، إلى الجبل الذي يحبنا ونحبه. هاهنا دارت المعركة. من هذا الفج في الجبل أقبل خالد بن الوليد بفرسانه ليحارب المسلمين الذين تركوا مواقعهم، بعد أن بانت علامات النصر، وخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. هاهنا، وراء هذه الصخرة، رأيت وحشياً يكمن لسيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب – رضى الله عنه -. قال وخشي: “والله إني لأنظر حمزة يهدُ الناس بسيفه، ثائر الرأس، ما يلقى شيئاً يمر به، مثل الجمل الأوراق. وكنت كامناً تحت صخرة لا يراني، وهززت حربتي، حتى إذا رضيت عنها دَفَعْتُها عليه. فأقبل نحوي، فغُلب فوقع. وأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتي، ثم تنحيت إلى المعسكر”.

هاهنا رأيت هنداً تجدع آذان الشهداء وأنوفهم، وتجعلها خدماً (حلقات) وقلائد، ورأيتها تبقر عن كبد حمزة وتلوكها، فلم تستطع أن تُسيغها فلفظتها. ورأيت قبر حمزة – رضي الله عنه – رمزاً للشهداء والدفاع عن دين الله، قبراً متواضعاً في باحة جرداء. لقد رقد الذي كان يهدر كالجمل الأورق في حفرة من تُراب. هاهنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخطط الخندق، ويشترك في حفره، ويكسر صخوره، ويحملها على ظهره الكريم.

(9) قمت بوداع المدينة المنورة، وتضرعت إلى الله أن أعود وأعود، ورجعت بالطائرة. ومددت عيني إلى أطراف الحجاز والشام. هنالك تختلط حدودُ الشام والحجاز، وهناك تقوم مؤتة. ورأيت جعفر بن أبي طالب يحارب الروم؛ يقتلهم ذات اليمين وذات الشمال، ثم يتكاثرون عليه فيقطعون يمينه، فيضربونه بسيوفهم حتى قطعوه نصفين. وأقبل المسلمون عليه، فوجدوا فيما بقي من بدنه تسعين ضربة؛ من طعنة برمح، وضربة بسيف. ونظرت إلى جناحيه مضرجين بالدماء، يطير بهما في السماء؛ اللون لون الدم، والريح ريح المسك. عدت من الديار المقدسة بعد قضاء العمرة، بقلب جديد، وإيمان وطيد بالنصر. واستقبلني صديقي، وحدثته بما رأيت ووعيت، فإذا الصديق الذي استغرب بالأمس سفري يقول: غداً – إن شاء الله – سأشدّ الرحال إلى مكة المكرمة لأداء العمرة، ولأرى أرض أجدادي التي أنبتتني رمالها.

(عبد المعين الملوحي بتصرف يسير من المجلة العربية).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s