العربية بين يديك: المجلد الرابع: الدرس الواحد والسبعون: الباحث عن الحقيقة سلمان الفارسي:

تحدّث سلمان الفارسي عن قصة بحثه عن الحقيقة وإسلامه، فقال: كنت مجوسياً من أهل أصبهان، وكنت قاطن (المقيم عند) النار التي نوقدها، فسألت النصارى حين أعجبني أمرهم وصلاتهم عن أصل دينهم، فقالوا: في الشام. فانطلقت إلى الشام، وأقمت مع الأسقف صاحب الكنيسة؛ أخدم، وأصلي، وأتعلم. وكان هذا الأسقف رجل سوء في دينه، ثم مات. وجاؤوا بآخر خيراً منه، فلما حضرته الوفاة قلت له: إلى من توصي بي؟ قال: أي بُني؛ ما أعرف أحداً من الناس على مثل ما أنا عليه، إلا رجلاً بالموصل، فلما توفي (مات) أتيت صاحب الموصل وأقمت معه، ثم حضرته الوفاة، فسألته، فدلني على عابد في نصيبين، فأتيته وأقمت معه، فلما حضرته الوفاة سألته، فدلني على رجل من عمورية، فرحلت (سافرت) إليه، وأقمت معه، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: إلى من توصي بي؟ فقال لي: يا بني؛ ما أعرف أحداً على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه، ولكن هذا زمان نبي يبعث بدين إبراهيم حنيفاً، يهاجر إلى أرض ذات نخل بين حرتين، فاذهب إليه إن استطعت. وإن له آيات لا تخفى؛ فهو لا يأكل الصادقة، ويقبل الهدية، وإن بين كتفيه خاتم النبوة، إذا رأيته عرفته.

ومر بي ركب وذهبت معهم حتى وصلوا إلى وادي القرى، فظلموني وباعوني إلى رجل من يهود، فباعني إلى رجل من يهود بني قريظة. ثم خرج بي حتى قدمت المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها، حتى أيقنت أنها البلدة التي وصفت لي، وأقمت معه أعمل له في نخله في بني قريظة، حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وحتى قدم “المدينة” ونزل بقباء. وإني لفي رأس نخلة يوماً، وصاحبي (سيدي) جالس تحتها، إذ أقبل رجل من يهود، من بني عمه، فقال يخاطبه: قاتل الله بني قيلة (أم الأوس والخزرج)، إنهم ليتقاصفون (يزدحمون) على رجل بقباء قادم من مكة يزعمون أنه نبي.

فوالله ما هو إلا أن قالها حتى أخذتني رعشة، فرجفت النخلة، حتى كدت أسقط فوق صاحبي، ثم نزلت سريعاً أقول: ماذا تقولون؟ ما الخبر؟ فرفع سيدي يده وضربني، ثم قال: ما لك ولهذا؟ أقبل على عملك. فأقبلت على عملي، ولما أمسيت جمعت ما كان عندي، ثم خرجت حتى جئت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بقباء، فدخلت عليه ومعه بعض أصحابه، فقلت له: إنكم أهل حاجة وغربة، وقد كان عندي طعام نذرته للصدقة، فلما ذُكِرَ لي مكانكم رأيتكم أحق الناس به، فجئتكم به. ثم وضعته. فقال الرسول لأصحابه: كلوا باسم الله، وأمسك هو، فلم يبسط إليه يداً. فقلت في نفسي: هذه والله واحدة؛ إنه لا يأكل الصدقة!! ثم رجعت وعدت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في الغداة أحمل طعاماً، وقلت له: إني رأيتك لا تأكل الصدقة. وقد كان عندي شيء أحب أن أكرمك به هدية، ووضعته بين يديه. فقال لأصحابه: كلوا باسم الله، وأكل معهم. قلت لنفسي: هذه والله الثانية، إنه يأكل الهدية!! ثم رجعت فمكثت ما شاء الله، ثم أتيتُهُ، فوجدته في البقيع قد تبع جنازة وحوله أصحابه، فسلمت عليه، ثم عدلت لأنظر أعلى ظهره، فعرف أني أريد ذلك، فألقى بردائه عن كاهله، فإذا العلامة بين كتفيه، خاتم النبوة، كما وصفه لي صاحبي، فأكببت عليه أقبله وأبكي، ثم دعاني – صلى الله عليه وسلم – فجلست بين يديه، فحدثني حديثي كما أحدثكم الآن، ثم أسلمت.

(بتصرف من: صور من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفت الباشا).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s