العربية بين يديك: المجلد الرابع: الدرس التاسع والستون: سيدة بني أمية:

كانت فاطمة بنت عبد الملك تجلس في طرف المجلس، فإذ بصوتين يملآن جوانب القصر؛ صوت فيه الفجيعة والألم، وهو نعي أمير المؤمنين، وصوت فيه الخيبة لناسٍ، والبشارة لناسٍ، وفيه الدهشة لجمعٍ، هو إعلان تسمية أمير المؤمنين الجديد: عمر بن عبد العزيز!

تصورت فاطمة هذا كله، وما شاركته فيه من النعم، في حياة عاشاها لا يبلغ الخيال مداها، وكانت إشارته عندها أمراً، ورغبتها عنده فرضاً، لا تُخالفه في شيء، ولا يُرَدُّ لها عنده طلب!

بعد أن ولي عُمر بن عبد العزيز الخلافة بعد سليمان بن عبد الملك قال لزوجته: يا فاطمة؛ قد نزل بي هذا الأمر، وحملت أثقل حمل، وسأُسْأَل عن القاصي والداني من أمة محمد، ولن تدع هذه المهمة فضلة من نفسي لأقوم بحقك علي، ولم تُبْقِ لي أرباً في النساء، وأنا لا أريد فراقك، ولا أوثر في الدنيا أحداً عليك، ولكني لا أريد ظلمك، وأخشى ألا تصبري على ما لنفسي من ألوان العيش؛ فإن شئت سيرتك إلى دار أبيك.

قالت: وماذا أنت صانع؟

قال: إن هذه الأموال التي تحت أيدينا – وتحت أيدي إخوتك وأقربائك – قد كانت كلها من أموال المسلمين، وقد عزمت على نزعها منهم، وردّها إلى المسلمين، وأنا بادئاً بنفسي، ولن أستبقي إلا قطعة أرض لي اشتريتها من كسبي، وسأعيش منها وحدها. فإن كنت لا تصبرين على الضيق بعد السعة، فالحقي بدار أبيك.

قالت: وما الذي حملك على هذا؟!

قال: يا فاطمة؛ إن لي نفساً تواقة، وما نلت شيئاً إلا اشتهيت ما هو خير منه. اشتهيت الإمارة، فلمّا نلتها اشتهيت الخلافة، فلما نلتها اشتهيت ما هو خير منها وهو الجنَّة.

*     *     *

تُرى لو أن تاجراً موسراً، أو موظفاً كبيراً يسكن قصراً فخماً، وفي داره نفائس التحف، وروائع الفرش، ثم أراد أن يتخلى عن ذلك كله لله، فهل يجد زوجته توافقه على ذلك وترضى به، وتعيش معه في غرفتين فارغتين في حارة ضيقة، وتأكل معه أخشن الطعام بعد الطعام اللذيذ الذي كانت تأكله، وتمشي على رجليها بدل أن تركب السيارة الفخمة الخاصة؟ لا أظن أن زوجة ترضى بهذا اليوم.

أما فاطمة التي انفردت بين نساء التاريخ جميعاً بأنها بنت خليفة، وزوجة خليفة، وأخت خليفتين، كان كل منهم يحكم عشرين دولة من دول هذه الأيام. فاطمة هذه قالت لزوجها – بعدما سألته وعرفت مقصده ودوافعه -: اصنع ما تراه، فأنا معك، وما كنت لأصاحبك في النعيم، وأدعك في الضيق، وأنا راضية بما ترضى به.

*     *     *

وانقطع فجأة عيش النعيم، الذي قلما ذاق مثله المشرفون، وجاء عيش شدة وضيق قل أن عرف مثله الفقراء المدقعون! ما انقطع لأنهما افتقرا بعد عنى، ولا لأن الدنيا أنزلت بهما مصائبها وأرزاءها، ولكن انقطع لأنهما آثرا نعيماً أبقى وأخلد، نعيماً لا يزول، على حين يزول كل نعيم في الدنيا.

وبدأ عمر فأعتق الإماء والعبيد، وسرح الخدم، وترك القصر، وردَّ ما كان له فيه إلى بيت المال، وسكن داراً صغيرة شمال المسجد. وكان في دار الحكم أقدر حاكم، وأحزم ملك، وأعدل خليفة، فإذا جاء داره هذه الصغيرة كان فيها كواحد من غمار الناس.

جاءت امرأة من مصر تريد أن تلقى الخليفة، فهي تسأل عن قصره، فدلوها على داره، فوصلت، فوجدت امرأة على بساط مُرقع، بثياب عتيقة، ورجلاً يداه في الطين يصلح جداراً في الدار، فسألت فدهشت لما علمت أن المرأة القاعدة على البساط هي فاطمة بنت عبد الملك، وارتاعت منها تهيباً، فآنستها فاطمة حتى اطمأنت إليها وأنست بها، فقالت لها: يا سيدتي؛ ألا تتسترين عن هذا الطيان؟ فابتسمت فاطمة وقالت: هذا الطيان هو أمير المؤمنين!

*     *     *

جاء في خلافته بائع قماش يعرض عليه ثوباً ثمنه ثمانية دراهم، فقال عمر: إنه حسن، لولا أنه أنعم ممّا ينبغي! فقال الرجل: لقد جئتك – وأنت أمير المدينة – بثوب ثمنة خمسة آلاف درهم، فقلت لي: إنه حسن لولا أنه خشن!!

ومرض الخليفة مرة – وكان عليه قميص وسخ – فدخل مَسلمة بن عبد الملك على أخته، فقال لها: يا فاطمة؛ اغسلوا قميص أمير المؤمنين. قالت: نعم. فعاد من الغد، فإذا هو لم يغسل. فقال: يا فاطمة؛ اغسلوا قميص أمير المؤمنين، فإن الناس يدخلون عليه. قالت: والله ما له قميص غيره!

ولم يدع من الخدم إلا غلاماً صغيراً، وكان هو الخادم الوحيد في قصر الخلافة. فوضعت له فاطمة الطعام يوماً، فضجر الخادم وتبرم وقال: عدس عدس كل يوم عدس؟ قالت فاطمة: يا بني؛ هذا طعام مولاك أمير المؤمنين!

واشتهى الخليفة يوماً العنب فقال: يا فاطمة؛ أعندك درهم نشتري به عنباً؟ قالت: أنت أمير المؤمنين ولا تقدر على درهم تشتري به عنباً! قال: يا فاطمة؛ ما بقي لي إلا هذه القطعة من الأرض، وريعها لا يكادُ يقوم بحاجاتي، والصبر على هذا أهون من الصبر على نار جهنم! ولم يكن قد بقي لفاطمة من أيام النعيم إلا جواهرها، فقال لها يوماً: يا فاطمة؛ قد علمت أن هذه الجواهر، قد أخذها أبوك من أموال المسلمين، وأهداها إليك، وإني أكره أن تكون معي في بيتي؛ فاختاري إما أن ترديها إلى بيت المال، أو تأذني لي في فراقك! قالت: بل أختارك والله عليها، وعلى أضعافها لو كانت لي! وردَّت الحلي إلى بيت المال. وعاشت زوجة الخليفة معيشة لا تصبر على مثلها زوجة موظف صغير، ورضيت بذلك اتباعاً لزوجها، وأملاً بثواب ربها، وشاركته خوفه من الله، وتفكيره في الآخرة.

دخل عليه مرة رجل صالح من جُلسائه، فقال له عمر: أرقت البارحة مُفكراً في القبر وساكنه. فقال هذا الرجل: فكيف لو رأيت الميت بعد ثلاثة أيام؛ الدودُ قد غطى جسده، وأكل لحمه بعد حسن الهيئة وطيب الرائحة ونقاء الثوب! فبكى عمر وخر مغشياً عليه. فقالت فاطمة لمولاه مزاحم: ويلك يا مُزاحم؛ أخرج هذا الرجل. فخرج الرجل، ودخلت على عمر، فجعلت تصب الماء على وجهه وتبكي حتى أفاق من غشيته، فرآها تبكى. قال: يا فاطمة ما يبكيك؟ قالت: يا أمير المؤمنين؛ رأيت مصرعك بين أيدينا، فذكرت مصرعك بين يدي الله للموت، وتخليك عن الدنيا، وفراقك لها، فذلك الذي أبكاني.

*     *     *

بكت خوفاً عليه في حياته، فلمّا مات بكت أسفاً عليه، حتى غشي بصرها، فدخل عليها أخواها مسلمة وهشام يسليانها، ويعرضان عليها ما شاءت من الأموال، فقالت: والله ما أبكي على مال ولا نعمة، ولكني رأيت منه منظراً ذكرته الآن فبكيت. قالا: ما هو؟ قالت: رأيته ذات ليلة قائماً يصلى، فقرأ {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} فشهق من البكاء، حتى ظننت أن نفسه قد خرجت، فما صحا حتى ناديته للصلاة.

ولما ولي أخوها يزيد الخلافة ردّ عليها حليها، فقالت: لا والله أبداً، ما كنت لأطيعه حياً، وأعصيه ميتاً. لا حاجة لي بها، فقسمها على أهله ونسائه وهي تنظر.

رحمة الله على أولئك.. أولئك والله هم الناس.

(بتصرف من كتاب: قصص من التاريخ لعلي الطنطاوي).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s