العربية بين يديك: المجلد الرابع: الدرس السابع والخمسون: العولمة:

هناك من يرى في العولمة دعوة إلى تقسيم العمل، وانتشار التقانة (التكنولوجيا) الحديثة من مراكزها في العالم المتقدم اقتصادياً، إلى أقصى أطراف الأرض، ومن ثم زيادة الإنتاج. وهو – في سبيل ذلك – مُستعد لأن يغفر للعولمة أي تأثير سلبي يمكن أن ينتج عنها على الهوية الثقافية. بل هو مُستعدّ للقول بأن هذا الأثر السلبي على الهوية يسير، بل قد يذهب إلى القول بأن الهوية الثقافية سوف تُفيد من العولمة.

وهناك المفتونون بالمدنية الغربية بوجه عام؛ ليس بنتاجها المادي فقط، بل في مجال نقل المعلومات وتخزينها وتوفيرها، وبما حققه الغرب في المجال السياسي والاجتماعي والثقافي. أولئك المفتونون بالديموقراطية الغربية، وبالعلاقات الاجتماعية الغربية، وبالإنتاج الثقافي في الغرب، ويتمنون لشعوبهم سرعة اللحاق بكل هذه الإنجازات، ويجدون في العولمة السبيل إلى ذلك. ومن هؤلاء من لا تثير لديهم مسألة الهوية الثقافية إلا السخرية؛ فهي عندهم تعني التخلف والجهل والفقر.

هناك أيضاً الكارهون للعولمة، ولديهم أسباب لهذه الكراهية؛ فهناك من يكرهها لأن فيها مزيداً من الاستغلال الاقتصادي، وهذا ما تفعله الاستثمارات الأجنبية الخاصة عندما تترك بلادها، وتذهب لاستغلال العمالة الرخيصة في البلاد الأقل نمواً، كشركات الأدوية الكبيرة التي تريد أن تفتح لها كل بلاد العالم أبوابها؛ لتحقق مزيداً من الربح على حساب مُستهلكي هذه الأدوية ومنتجيها. نعم، الهوية الثقافية لابد أن تُعاني من ذلك، ولكن المعاناة هنا ليست إلا نتيجة للاستغلال الرأسمالي، إذ تحمل كل هذه الاستثمارات الأجنبية وهذه السلع المستوردة ثقافة تختلف عن ثقافات الأمم المستوردة لها، فتحقق مزيداً من الأرباح المادّية والثقافية، وحماية الهوية الثقافية واجبة في نظر هؤلاء.

وهناك من يكره العولمة لا لسبب اقتصادي، بل لسبب ديني؛ فالعولمة آتية من مراكزَ دينُها غير ديننا، بل هي قد تنكرت للأديان كلها، وآمنت بالعلمانية التي لا تختلف كثيراً – في نظر هؤلاء – عن الكفر، ومن ثم ففتح الأبواب أمام العولمة هو فتح للأبواب أمام الكفر. والغزو هنا في الأساس ليس غزواً اقتصادياً، بل هو غزو ديني، والهوية الثقافية المهددة هنا هي دين الأمة وعقيدتها، وحماية الهوية معناها في الأساس الدفاع عن الدين.

وهناك – من ناحية أخرى – من يرى أن العولمة ليست غزواً اقتصادياً، أو غزواً علمانياً، بل غزو قومي، بمعنى تهديد هوية أمة أخرى. صحيح أن هذا الغزو يتضمّن استغلالاً اقتصادياً، وصحيح أنه يهدد دين الأمة التي يجري غزوها، ولكن هذا وذاك ليس إلا جُزأين من ظاهرة أوسع، وهما مرفوضان لسبب أكبر وأشمل. فالاستقلال الاقتصادي ليس مطلوباً لمنع الاستغلال فحسب، بل مطلوب لتحقيق نهضة شاملة للأمة. والعولمة كذلك تهديد للدين والعقيدة، ولقيم الأمة.

إن كلاً من المواقف المؤيدة والرافضة للعولمة يحمل في رأي البعض جزءاً من الحقيقة. نعم، إن العولمة قد تؤدي إلى زيادة الإنتاج، والعولمة قد تمثل تقدماً في بعض القدرات المهمة للإنسان، وفي بعض أنواع الإنتاج العلمي والفني. ولكن العولمة تتضمن – بلا شك – اتجاهاً نحو السيطرة الاقتصادية من جانب الشركات الكبيرة للمستضعفين في الأرض. والتنافس في هذا الصراع لن يرحم الضعفاء، بل يعادي مُعتقداتهم ومقدساتهم. والعولمة – بلا شك – تُهدّدُ أنماط الحياة الخاصة بالأمم المحافظة، لصالح نمط معين للحياة، هو السائد في الدول القوية.

(بتصرف من مجلة المعرفة – جلال أمين).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s