العربية بين يديك: المجلد الرابع: الدرس الخامس والخمسون: قصص عربية:

القصة الأولى:

ما إن أخذت مكاني من الطائرة، حتى رأيت ذات الرجل… كان أكثر المسافرين حديثاً وانشراحاً… ولم يترك فرصة لتقديم المساعدة لأحد إلا بادر، وعلى الرغم من جسده النحيل وقامته القصيرة، فإنه بدا أكثر المسافرين نشاطاً. أقبل نحوي وقال: يبدو أنك مُرافقي في الرحلة، وجاري في المقعد.

– أجبت: يبدو ذلك.

استقر على الكرسي المجاور، وتنهد ثم قال: كم من الوقت ويحل وقت المغرب؟

– ربع ساعة.

– اللهم يسر ولا تعسر. لقد كان الجو لطيفاً اليوم. حمداً لك يا واهب النعم. أخذ في ترتيل دُعاء السفر، ثم التفت إلي قائلاً: أتعرف أنني تعلمت هذا الدعاء من مُذيع الطائرة. جزى الله خيراً من بادر لنشره وإذاعته.

– يبدو أنك تُسافر كثيراً؟

– نعم.. كل أسبوعين.. كل نصف شهر، أسافر لأخذ “الكيماوي”.

– الكيماوي؟!

– علاج؛ لقد ابتُليت بمرض خطير… انظر! ثم وقف يُريني ندباً من أثر الجراحات التي بدت متعددة.. استأصلوه من البطن، لكنه انتشر في بقية الجسم بعد عامين من العملية. قضاء وقدر!

– الحمد لله على كل حال.

وأخذت أسترسل معه في الحوار، فعرفت أنه موظف صغير، وأنه أب لسبعة أطفال أكبرهم في التاسعة، وبقية ذريته من الإناث، ثم تابع: أعرف يا أخي نعم المولى الكثيرة، ووالله إنني بخير. أشعر أنني بنعمة ما دمت أدب على الأرض، وعقلي معي، ولساني يلهج بالثناء لصاحب المجد والملكوت.

– سألته – وقد كانت هيئته تدل على ضعف الحال -: هل تملك داراً لك ولأولادك؟

– يا شيخ؛ السعيد هو الذي يملك داراً هناك في الفردوس.. أما هنا فالديار عارضة!

– وحينما أُعلن عن دخول وقت الإفطار، أصرّ علي ألا ألمس أكل الطائرة قائلاً: هاك التمر الحقيقي، ودع عنك “المعلب”!

– كلاهما خير.

– نعم، ولكن حلفت عليك إلا أن تأكل.

– شكرته وأكلت من قصعته.

– سم الله وكل يا شيخ.

– جزاك الله خيراً.

– أبداً يكفي اثنان، دائماً أُحْضِرُ فطور جاري في المقعد.. أتعرف أجر من فطر صائماً.. لا شك أنك تعرف يا شيخ.

– دعوت له، وأخذت تحت إلحاحه آكل، وأتحدث معه عن أسرته ومصاعبه المادية. فبدا إيمانه عميقاً، وتوكله مطلقاً، مع ما يواجهه من نوائب.

– لا أملك بيتاً ولكني مُطمئن.. مُطمئن تماماً لو نزل القضاء قريباً.

– كيف؛ هل هناك أقرباء يرعون أسرتك؟

– يا شيخ؛ كنت أحسبك ستفهم. وراءهم من يطعم الطير في أعشاشها، ويرزق الأجنة في الأرحام.. لن ينساهم ربهم، إنني أتركهم في حال أسعد من حالي حين تركني والدي يتيماً.. دع عنك المستقبل وتأمينه.. لا يؤمن القادم إلا رازق كل ذي كبد رطب!!

– صدقت، لكن الأسباب مطلوبة.

– علم الله أنني لم أقصر… ها أنذا أقطع رحلتي السبعين طلباً للعلاج. وها هم أهلي يطلبون مني أن أقلل من جهدي بسبب المرض.. إنني أعمل القهوة في حفلات الأعراس… وهي مستورة… ما دام أنه رزق شريف، وكدح لا يعيب.. فأنا بخير.

استمر الحديث حتى قطعته إطارات الطائرة وهي ترتطم بالأرض.. ولا أدري لماذا شعرت بالارتباط بهذا الإنسان البسيط، لقد تعلمت منه معانى عظيمة نعرفها جميعاً، لكن لا يطبقها أو يمارسها بتلك القناعة سوى من رُزقوا توكل الطير الخماص وهي تغدو. كم كان رائعاً وهو يضع مفاهيم القدر والسبب. وكم كان مُقنعاً وهو يعيش النظرية والتطبيق بلا انفصام. كم كان كريماً وهو الفقير، ومقداماً وهو الضعيف، وشريفاً وهو المكافح، ومُطمئناً في عصر القلق.

ودعتُهُ وأنا أقول كما قال أحد العلماء: “اللهم امنحني إيماناً كإيمان العجائز”. وتفارقنا وأنا أصر أن يقبل دعوتي لإيصاله للمستشفى، وهو يجيب بلهجة حازمة:

– سائق سيارة الأجرة ينتظرني.. إني أعرفه، وأنا أعينه وهو أبو العيال، عندما أنقده الأجرة.. لا جعلك الله سبباً في قطع رزق محتاج!!!

– حقاً كم هو عظيم هذا الدين، وهو يحول هذه الشخصيات إلى أمثلة للفطرة السليمة، والإيمان العميق في عصر القلق والبعد عن الله!!

(مجلة البيان: بتصرف).

 

‫القصة الثانية: إذا كنت تستطيع فافعل:

أتى رجل إلى إبراهيم بن أدهم – رحمه الله – فقال: يا أبا إسحاق؛ إني مُسرف على نفسي، فاعرض علي ما يكون لها زاجراً ومستنقذاً.

قال إبراهيم: إن قبلت خمس خصال وقدرت عليها، لم تضرك معصية.

قال الرجل: هات يا أبا إسحاق.

قال إبراهيم: أمّا الأولى: فإذا أردت أن تعصي الله تعالى، فلا تأكل من رزقه.

قال الرجل: فمن أين آكل، وكل ما في الأرض رزقه؟!

قال إبراهيم: يا هذا؛ أفيحسن بك أن تأكل رزقه وتعصية؟!

قال الرجل: لا؛ هات الثانية.

قال إبراهيم: وإذا أردت أن تعصية فلا تسكن شيئاً من بلاده.

قال الرجل: هذه أعظم، فأين أسكن؟

قال إبراهيم: يا هذا؛ أفيحسن بك أن تسكن بلاده وتعصية؟!

قال الرجل: لا… هات الثالثة.

قال إبراهيم: وإذا أردت أن تعصية – وأنت تأكل رزقه، وتسكن بلاده – فانظر موضعاً لا يراك فيه فاعصه فيه.

قال الرجل: يا إبراهيم؛ ما هذا وهو يطلع على ما في السرائر؟!

قال إبراهيم: يا هذا؛ أفيحسن بك أن تأكل رزقة، وتسكن بلاده، وتعصية وهو يراك، ويعلم ما تُجاهر به؟!

قال الرجل: لا، هات الرابعة.

قال إبراهيم: فإذا جاءك ملك الموت؛ ليقبض روحك، فقل له: أخرني، حتى أتوب توبة نصوحاً، وأعمل صالحاً.

قال الرجل: هات الخامسة.

قال إبراهيم: إذا جاءك الزبانية يوم القيامة ليأخذوك إلى النار، فلا تذهب معهم.

قال الرجل: إنهم لا يدعوني، ولا يقبلون مني!! يا إبراهيم؛ حسبي حسبي. أستغفر الله وأتوب إليه. فكان لتوبته وفياً؛ فلزم العبادة، واجتنب المعاصي، حتى فارق الدنيا.

(من كتاب: الأجوبة المسكتة).

 

القصة الثالثة: ضيف المساء:

عن الحسن أن رجلاً جهده الجوع؛ ففطن له رجل من الأنصار. فلمّا أمسى أتى به إلى بيته، فقال لامرأته: هل لك أن تطوي ليلتنا هذه لضيفنا؟

قالت: نعم.

قال: فإذا قدّمت الطعام فادني إلى السراج كأنك تُصلحينه فأطفئيه. ففعلت. وجاءت بثريدة – كأنها قطاة – فوضعتها بين أيديهما، ثم دنت إلى السراج كأنها تصلحه فأطفأته. فجعل الأنصاري يضع يده في القصعة، ثم يرفعها خالية.

فأُطْلِعَ على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح الأنصاري، صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، فَلَمّا سلم أقبل على الأنصاري وقال: “أنت صاحب الكلام الليلة”؟

ففزع الأنصاري وقال: أي كلام يا رسول الله؟

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: كذا وكذا (قوله لامرأته).

فقال الأنصاري: كان ذاك يا رسول الله.

قال: “فوالله؛ لقد عجب الله من صنعكما الليلة”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s