العربية بين يديك: المجلد الرابع: الدرس الثامن والأربعون: صاحب الجنتين:

(1) أنعم الله تعالى على رجل من بني إسرائيل، فرزقه ابنين؛ رباهما، وتعب في تنشئتهما إلى أن أصبحا شابين كبيرين، ومع أن نشأتهما واحدة، فإن طباعهما كانت مختلفة ومتباينة. لقد علمهما الأب زراعة الأرض، وقد أجادا زراعتها، وإنتاج الثمار الطيبة، والفواكه اللذيذة منها، وما هي إلا سنوات حتى كبر الرجل، وأحس بأن أجله سيحين عما قريب، فجمع ولديه، ونصحهما بالاستمرار في العمل، والنشأة الصالحة، والبعد عن البغضاء والكراهية.

(2) مات الأب، وترك لولديه الأراضي والأموال، وأخذ الأخ الأوّل نصيبه من الأرض والثروة، وحمد الله على ذلك، وشكره على النعم الكثيرة، وقال: يا رب؛ إنني لن أنسى عبادك الفقراء، ولن أتخلى عن المساكين والجائعين، إنني في طاعتك دوماً يا رب… “سبحانك، أرجو مغفرتك، وأسألك أن تُساعدني على عمل الخير في هذه الدنيا، ولك الحمد يا رب في الأولى والآخرة”.

(3) وأما الولد الآخر؛ فلم يكن مثل أخيه، فإنه ما كاد يأخذ حقه ونصيبه من الثّروة، حتى اختزن النقود في منزله، وحرم منها الفقراء والمساكين، فكان إذا رأى مسكيناً أغمض عينيه؛ حتى لا تحدثه نفسه بالعطف عليه، وإذا سمع نداء من فقير أغلق أذّنيه؛ لكيلا يسمع كلامه!! وهكذا عاش، وكل همه أن يحافظ على ماله ويزيده، فلم يخرج منه زكاته كما فعل أخوه.

(4) لقد أعطى الله كلا الأخوين مالاً، ورزقهما من الأولاد والنعم الكثير، ولكن الأخ الثاني الذي لم يشكر نعمة الله عليه قام بشراء بساتين كثيرة، واعتنى بزراعتها، وأحسن خدمتها، فازدادت ثروته وأمواله، وجعل الله له من البساتين جنتين من أجمل الجنات، فيهما العنب، وتحوطهما أشجار النخيل الباسقة، وتجري فيهما الأنهار من الينابيع العذبة، ويحملان الفاكهة اللذيذة من كل نوع، وإذا ما نظر إليهما الناظر حسبهما جنتين؛ لشدة جمالهما وحُسنهما، وما فيهما من الخير الكثير؛ من الشجر، والثمر، والطيور، والماء والينابيع.

(5) لم تقف النعمة عند هذا الحد، بل رزقه الله أولاداً ساعدوه في جلب الربح والمال، فأصبح غنياً لا مثيل له، وأصبح أكثر من أخيه مالاً وولداً. وهذه النعم كلها لم تكن عند الأخ الأول، الذي اقتنع بالقليل من المال، وأنفق الكثير منه في سبيل الله للمسكين، والمحتاج والفقير. وقد كان مع القليل الذي عنده مرتاح الضمير، عفيف النفس، يحمد الله ويشكره، ويعرف حق نعم الله الكثيرة كلما جاءته، فلا يبخل، ولا يكفر، ولا يجحد، ولا ينكر.

(6) هذان هما الأخوان: الغني الذي كثرت ثروته، والفقير الذي اقتنع بالقليل، دُون طمع، ولا بُخل. ولكن هل تدرون ماذا كان أثر عدم شكر الأخ الثاني للنعم والغنى؟ وبماذا قابل أخاه الفقير عندما دخل عليه؟ حدث هذا ذات مرة، ولما رآه استهزأ به، وسخر منه، وقال: انظر إلى حالتك، كيف أصبحت لا تملك مالاً، ولا ولداً. أما أنا فإنني أكثَرُ منك مالاً، وأكتر أولاداً. تعال ادْخُل معي جنتي الجميلتين، وشاهد أملاكي الكثيرة، تعال لكي ترى الكروم والفواكه، والأنهار والجمال، والخير الكثير. إن جنتيَّ تزيدان ربحي وعطائي، وإني أعلم أن هذه النعم والخيرات كلها ستدوم، ولن يقطع الله عني كل هذا الرزق الوفير، ثم سكت قليلاً وقال: وأما عن يوم القيامة الذي تخاف منه، فإني لا أظن أن هناك يوماً كهذا اليوم. وإن اعتقدت معك بوجود الحساب فإن الله سيعطيني هناك خيراً مما أعطاني في هذه الدنيا، ألا تراه قد رزقني الآن..؟ فلا بد أنه يرزقني في الآخرة، إن كانت هناك آخرة كما تزعم!! وأنا أستحق هذا. أليس كذلك؟ .. وتابع ضحكه واستهزاءه.

(7) نظر إليه الأخ المؤمن، وبكى شفقة عليه، وأحب أن يصحح اعتقاد أخيه الكافر، وأن يهديه إلى الإيمان، فقال له وهو يعظه: يا أخي؛ أكفرت بالله الذي خلقك ورزقك الجنة والمال والأولاد؟ أكفرت بالله الذي خلقك في بطن أمك، وجعلك طفلاً، ثم شاباً قوياً؟ أيعجز الله عن خلقك مرة ثانية بعد أن يميتك وتُدفن في التّراب؟ يا أخي؛ أليس الخلق مرة أخرى أهون من الأولى؟ وكله على الله هيّن.. ألا تريد أن تزيل هذا الكفر عن عقلك؟ وهذا الشرك من قلبك؟

(8) ثم إنك يا أخي تشمت بي، وتفخر علي بأن الله أعطاك مالاً وأولاداً أكثَرَ مني. ولكن إن كنت فقيراً لا أملك مالاً ولا ولداً، فإن نفسي غنية مؤمنة، لا تتعلق بالدنيا وزينتها، وأنا أعتقد يا أخي أن الدنيا زائلة، وأن المال لن يبقى، وأن الأولاد سيموتون مثلنا.. لا تعجب إن أزال الله هذه الأموال والجنان التي تملكها من الوجود، وجعل أنهار جنتيك جافة، وأشجارها يابسة، وليس هذا صعباً على الله، ولن يعجز عن ذلك أبداً.

(9) يا أخي؛ ألا تفكر أن تقول إذا دخلت جنتيك: “ما شاء الله لا قوة إلا بالله”؟ إن كفرك لن ينفعك يا أخي، فارجع إلى الهدى، وآمن بقدرة الله واشكر نعمه عليك، ولا تكفر بها، فهو قادر على أن يعاقبك في هذه الدنيا أمام عينيك.

(10) ولم يسمع الكافر كلام أخيه المؤمن.. بل ازداد كفراً وعناداً، ولم يلتفت إلى تطهير قلبه وإزالة الكفر عن صدره. لقد نصح له أخوه، ودله على الطريق الصحيح، لكنّه لم يحاول أن يقتنع ويفهم، وأن يؤمن بالله ويحمده ويشكره. هل يتركه دون عقاب؟.. هل يرضى الله تعالى لعباده الكفر والشرك؟ وهل سيبقى الكافر يلهو ويرتع في الضلال؟

(11) بعد أن تكلم الأخ المؤمن ناصحاً لأخيه الكافر عاد إلى منزله، وهو يعلم أن عاقبة الكفر سيئة، وأن الكفر لن يدوم، ولو استمر طويلاً؛ لأن الله لا يقبل من الإنسان إلا الإسلام والإيمان.

(12) وهذا ما حدث؛ فلقد ذهب الكافر يوماً إلى جنتيه من أجل أن يزيد افتخاره واستكباره، ولكن يا لهول المنظر الذي رآه!! هل تعرفون ماذا رأى؟ وماذا حدث له؟ لقد سقط على الأرض مغشياً عليه من هول الكارثة!! فالأنهار قد جف ماؤها، والكروم قد يبست جذوعها وأغصانها، والزهر قد مات، والثمر قد سقط، لا حركة ولا حياة ولا بهجة ولا أمل!! وكل ما في الجنتين أصبح ساكناً مُوحشاً. وجف حلق الكافر، ووضع يده على فمه، وعض على أصابعه ندماً، وأخذ يصرخ ويبكي حزناً على ما حل به.

(13) لقد انتهى الجمال، وذهب الخير، وفني المال. أين الفخار؟ وأين الاستكبار؟ بل أين الجحودُ والإنكار؟ كل ذلك قد ضاع، ولم يفده صراخه ولا بكاؤه، ولفظ آخر كلماته الدالة على أساه العميق، وحزنه الشديد.. وقال تلك الجملة التي حدثنا عنها القرآن الكريم.. قالها بعد أن فارقته الخيرات والنعم: {يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} قالها نادماً فَلَمْ يَنفَعْهُ الندم، ولم يكن له من ينصره من عقاب الله وعذابه. وكانت هذه نهايته، وقد جاء ذكر هذه القصة في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44)} [الكهف: 32-44].

(قصة صاحب الجنتين، من كتاب قصص القرآن لمحمد موفق سليمة: بتصرف).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s