العربية بين يديك: المجلد الرابع: الدرس الثامن: الترويح عن النفس:

النفس الإنسانية تمل من الجد والعمل، ويدخلها السأم من كثرة العمل؛ لهذا تجيز تعاليم الإسلام

‫للإنسان أن يروح عن نفسه – من وقت لآخر – باللهو المباح، ويمارس من الأنشطة الترويحية المباحة، ما يعودُ عليه بالفوائد الجسمية، والروحية، والعقلية، ويجدد نشاطه في الحياة، ويدفعه إلى مزيد من العمل والعبادة.

ولنا في رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أسوة حسنة؛ فقد كان يضحك ويمزح بالقول الصادق، فقد قال له الصحابة رضوان الله عليهم: إنك لتداعبنا. فقال لهم صلى الله عليه وسلم: “إني لا أقول إلا حقاً”.

وقد روي عنه – صلى الله عليه وسلم – أن امرأة عجوزاً أنصارية جاءته تقول: ادع الله أن يدخلني الجنة. فقال لها: “يا أم فلان؛ إن الجنة لا تدخلها عجوز”. فأخذت المرأة تبكي، فلما رأى ذلك منها تبسم، وقال لها: “أما قرأت قول الله تعالى: {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا}”. وجاء رجل يطلب منه أن يتصدق عليه ببعير يركبه، فقال له الرسول – صلى الله عليه وسلم -: “إني حاملك على ولد الناقة”، فقال له الرجل: يا رسول الله؛ وما أصنع بولد الناقة؟ فقال له الرسول – صلى الله عليه وسلم -: “وهل تلد الإبل إلا النوق؟!”.

وكان الصحابة – رضوان الله عليهم – مع الجد والاجتهاد – يتمازحون فيما بينهم، بممارسة بعض الأنشطة المباحة، ولم ينقص ذلك من أقدارهم. يقول علي بن أبي طالب: “إن القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة”.

وأجاز الإسلام من الأنشطة الترويحية ما يتفق مع قيمه وأخلاقه وآدابه، ولم يجعل الهدف من ممارسة النشاط الترويحي شغل أوقات الفراغ، بل جعل الهدف استثمار أوقات الفراغ ليجدد النشاط، وليعين على الحياة.

ليس معنى إباحة الترويح، أن تُصبح الحياة كلها هزلاً، وأن تتغلب روح المرح على روح الجد، وتضيع تبعاً لذلك عناصر القوة، ويتخلف المسلمون عن القيام بواجبهم، ويُقضى على عوامل المحبة والأخوة بينهم، ويصبح المجتمع لاهياً عابثاً، فالحياة أغلى من أن تضيع في لهو عابث، وتُهدر في باطل لا خير من ورائه، ذلك يجب ألا يأخذ التّرويح إلا قليلاً من الوقت والجهد.

إن الإسلام عندما أباح الترويح بالمزاح والمداعبة، لم يقصد بعض الأساليب المنتشرة في مجتمعاتنا المعاصرة التي تؤدي أحياناً إلى إيذاء الآخرين، عن طريق السخرية منهم. فالله سبحانه وتعالى ينهانا عن السخرية من الآخرين. قال تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ}، كما حذرنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من الكذب في المزاح والمداعبة، وعند إضحاك الآخرين. فقال صلى الله عليه وسلم: “ويل للذي يحدث فيكذب؛ ليضحك به القوم، ويل له، ويل له”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s