قراءة في كتاب أحمد خيري العمري: البوصلة القرآنية

هذا المنشور يشمل الردود على 170 صفحة فقط من أصل 600 صفحة عدد صفحات الكتاب، وقد خرج الرد هذا الجزء من الرد في 75 صفحة تقريباً، آثرت أن تكون الردود كاملة في كتاب مستقل.

2016-02-28-592

اسم الكتاب: البوصلة القرآنية؛ إبحار مختلف بحثاً عن الخريطة المفقودة

المؤلف: أحمد خيري العمري

الحجم: 25 × 17 سم

عدد الصفحات: 599 صفحة

دار النشر: دار الفكر – دمشق

ط1 (1424هـ-2003م)

قرأت الكتاب فور صدوره عن دار النشر، والكتاب يتميز بصياغة وحبكة أدبية رائعة، وطريقة تسلسل الأفكار منطقي جداً، وأسلوب الإقناع فيه يفوق الوصف.

مما دفعني للبحث عن تاريخ المؤلف، فلاحظت ما يلي:

1- لا يحمل حرف الدال كما يظهر من صورة الغلاف لهذه الطبعة.

2- سيرة المؤلف غير موجودة على ظهر الكتاب كما هو حال كل كتب الدار.

3- ليس له أي كتاب مطبوع، وليس له أي اسم في دور النشر.

4- لم أجد اسمه على النت في ذلك الوقت، فلم تكن له أي مدونة، ولا حتى منشورات على النت.

5- ليس له أي مقالة منشورة قبل هذا الكتاب.

6- سألت دار النشر (التي لا تطبع كتاباً إلا بعد عرضه وعرض سيرة مؤلفه على لجنة)، فأجابت بأنا لا تعلم شيئاً عن سيرة المؤلف!!!

7- قامت دار النشر والمركز الثقافي بدمشق بعمل دعاية غير مسبوقة في تاريخ الدولة الباطنية للكتاب ومؤلفه، فأثارني ذلك كثيراً…

8- تفاجأت في الطبعات التالية أنهم وضعوا حرف الدال بجانب اسم المؤلف.

9- عثرت بعد خمس سنوات على سيرته فتبين أنه طبيب أسنان، ولا أدري ما وجه إخفاء الدال في الطبعة الأولى، ثم إدراجها في الطبعات التالية؟!! مع أنه لا يحمل ماجستير ولا دكتوراه في طب الأسنان!!!

هذه المعلومات تجعل من المستحيل على شخص ليس له تاريخ في التأليف أن يؤلف كتاباً بهذه الضخامة (599 صفحة)، وبهذه القوة في الصياغة والحبكة الأدبية غير المسبوقة.

وهذا دفعني لقراءة الكتاب بعمق وتركيز أكبر، فرأيت أنه لا تكاد تخلو صفحة من صفحات الكتاب من شبهة كما سيأتي!! بل إن الكتاب يحشد مجموعة من الشبهات والتحريفات الصغير في عشرات الصفحات بشكل خفي، حتى إذا دخل معظمها في عقلك الباطن ورسخ، عرج على أفكاره الرئيسية لتصبح في ذهنك مثل المسلمات!!!

وهذا يجعلني أقطع بأنه من تأليف مجموعة من المؤلفين، وليس من تأليف شخص واحد ليس له سابقة تأليف!!!

الأفكار الرئيسية في الكتاب:

لم أجد الكتاب يحوي غير الأفكار الرئيسية التالية، فعلى من وجد غيرها أن يرسلها لي مشكوراً:

1- ركز كثيراً على الأسرار وفهم الأسرار، وهي أساس فكر الباطنية.

2- عصر التشريع هو الفترة الزاهرة الأخيرة، وهذا الذي كرره هنا بالإيحاء ذكره صريحاً في كتابه “سقوط بغداد”، وهو أن استلام معاوية للخلافة هو نقطة الانحراف في التشريع والتاريخ الإسلامي، وهذه أساس فكر الرافضة.

3- تقديس العقل وتقديمه على النص، وهذا أساس فكر المعتزلة.

4- جعل كل شيء خاضع للنقاش والأخذ والرد، وهز الثوابت بالشك، وجعل الشك طريق اليقين الوحيد، وهذه أساس فكر الملاحدة.

5- ربط كل شيء بالمادة المجردة رغبة في نفي قدرة الله أو حتى وجوده، وهو أساس فكر المادية.

6- نفي تصرف الله في الأسباب، وهو أساس فكر القدرية.

7- مدح العلمانية والعلمانيين.

ونظراً لما سبق، ولكثرة الملاحظات على الكتاب فكرت كثيراً بتأليف كتاب أجعل اسمه “البوصلة الإيمانية”، أنقض فيه محتويات هذا الكتاب، ودون عمل دعاية للمؤلف.

لكن لما هاجر لأمريكا، وحظي بدعمها وترويجها، فلم يعد هناك داعٍ لتفادي الترويج له، ونظراً لعدم توفر الوقت الكافي لتأليف الكتاب، فأصبح من الظلم التأخر في بيان العلم أو تأخيره.

والحمد لله أن الكتاب لم يلق رواجاً في غير بلاد الشام التي كان يحكمها الباطنية.

نقد الكتاب:

ستتم مناقشة أفكار الكتاب تبعاً للمحاور التالية:

1- ردود عامة.

2- تقديس العقل وتقديمه على النص.

3- الرموز والأسرار.

4- مدح العلمانيين وغير المسلمين.

5- التشكيك بالله وقدرته وعلمه.

6- التشكيك بكل المسلمات والثوابت.

7- التحريف والتحوير.

8- الدعوة للمادية.

9- الأوصاف الإيحائية الغريبة.

ردود عامة:

صـ 41-42: “طالبوا بالنوع التقليدي من المعجزات الحسية… لأنهم كانوا سيجدون حتماً طريقة للالتفاف على هذا النوع من الإعجاز”.

والحقيقة أن الجدل العقلي ليس له حدود، وبالتالي فنقض المعجزات العقلية أسهل من الالتفاف على المعجزات الحسية.

صـ 43: “النظر إلى حوادث حسية منسوبة إليه عليه أفضل الصلاة والسلام، باعتبارها معجزات أخرى إلى جانب معجزته الأولى القرآن”.

ما وجه الإصرار على الإنكار التام للمعجزات الحسية؟!! وألا يعد هذا الفهم القاصر للمعجزات الحسية وإنكارها جزءاً من التخلف الذي تعيشه أمتنا؟!!

صـ 45 يصور المعجزة الحسية على أنها: “سكتة عقلية تتطلب منه الخضوع والانقياد… إذ لا فائدة حقاً تُرجى من ناس أصيبوا بإبهار أسكت عقولهم”!!!

ويصف الإيمان بالمعجزة الحسية صـ 46 بـ”سخافة هذا القول”.

فهل اقتناعه بفكرة يجعل سخافة الفكرة المضادة؟!! فكيف هنا حيث الفكرتان من التنوع، ولا تختلفان على الإطلاق، ولا تتضادان، ويمكن أن تجتمعا معاً باتفاق العقلاء؟!!

والحقيقة أن المعجزات الحسية لا تزال بيننا، وستستمر إلى قيام الساعة: جسد فرعون، القمر الذي انشق وأثبت الفلكيون ذلك، وإخبار القرآن عن المستقبل وتحقق تلك الأخبار عبر العصور، والإعجاز العلمي الذي يتجدد اكتشافه إلى قيام الساعة… هذه كلها معجزات حسية أثبتها القرآن الكريم ولا زالت مستمرة.

صـ 50: “طريقة التفكير التي أنتجها تفاعل المجتمع الجديد مع الخطاب القرآني”.

طرق التفكير ينتج عنها طريقة أو نوع السلوكيات الفردية، وهذه السلوكيات بمجموعها تكون التفاعل بين المجتمع والخطاب القرآني. أي: عكس ما ذكر المؤلف تماماً؛ فإذا كان التفكير إيجابياً كان التفاعل إيجابياً، وإذا كان التفكير سلبياً كان التفاعل سلبياً. فما وجه هذا التحريف؟!!

صـ 51: “فالقرآن عند التفاعل معه يورث لا أفكاراً فحسب، بل يطبع العقل بطريقة معينة للتفكير… طريقة التفكير الناتجة هذه لا تخص فئة معينة أو طبقة بذاتها، إنها ليست طريقة تفكير طلاب العلم أو رجال الدين مثلاً، بل هي للرجل العادي: رجل الشارع والعامل والتاجر والطالب والطبيب…”.

الخلط العجيب بين ضرورة تعميم التعليم الشرعي على هؤلاء، وبين أن يُعمل الجميع عقولهم في شؤون الدين بجهلهم المطبق. فالتعليم الشرعي ليس قاصراً على طلاب العلم ورجال الدين؛ لنخرج من مستنقع الجهل، لكن ليس من حق الجهال أن يجتهدوا ويفتوا بغير علم؛ لأن المؤلفون يريدون ذلك!!

صـ 52: “غريب جداً أن نتصور أن ديناً ما يبدأ بطرح التساؤلات، فقد تعودنا جميعاً أن تكون الفلسلفة هي صاحبة الأسئلة، وأن يكون الدين هو صاحب الأجوبة. الفلسفة للأرق والتفكير، والدين للنوم المطمئن الهادئ”.

هنا لنا عدة وقفات:

– النص القرآني يطرح الأسئلة، لكنه لا يبدأ بها، وإنما يطرحها بعد تقرير المسائل وتوضيحها بجلاء، فتأتي الأسئلة بعد ذلك استنكارية متأخرة لاستنهاض العقل وختم الحجة.

– القرآن لا يطرح التساؤلات لتقوم عقولنا الجبارة بالإجابة عليها، وإلا صدق فينا قوله تعالى: { قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الحجرات: 16].

– القرآن لا ينتظر منا الإجابة على التساؤلات؛ لأنها أسئلة استنكارية للتبكيت وإقامة الحجة.

– ليس عيباً أن يكون الدين صاحب الأجوبة.

– البحث عن الأجوبة الدقيقة المبثوثة داخل النصوص لا يقدر عليه شخص في حالة نوم وهدوء ودعة.

صـ 54: “عمد الخطاب القرآني إلى استثمار هذا التساؤل وتأصيله في طريقة التفكير الإسلامية، بل إلى إعادة تأسيسه، ليكون المرتكز الأول…”.

فأين الشواهد القرآنية على ذلك الكلام والكتاب في البوصلة القرآنية؟!!

صـ 55: “وبدلاً عن الأسئلة المسكتة ستكون هناك أسئلة مثيرة للجدل… أسئلة تدعو للوثوب والانفتاح نحو كل الجهات”.

فهل الجدل واللجج هدف في ديننا؟!! وهل الانفتاح في كل الجهات وترك البوصلة هدف قرآني؟!! فالنصوص القرآنية والنبوية على خلاف ذلك.

صـ 55-56: يتكلم عن المجتمع الجاهلي وقريش فيقول: “كان هذا التنافس المادي يثير التناحرات داخل المجتمع المكي… وزاد من صعوبة هذه الأوضاع ارتباط مورد مكة الرئيسي – التجارة – بالطرق الخارجية المعرضة لغزوات قبائل البدو والأعراب في البادية… ونشأ عرف الأشهر الحرم والإيلاف وغيرها من المعاهدات”.

هذا غير صحيح من وجوه:

– هو يخالف مضمون سورة قريش.

– أين الحوادث التي تثبت هذا الكلام؟!! فالواقع يثبت أن القبائل كانت لا تتجرأ على قريش.

– الآية نصت على أن الأشهر الحرم ليست عرفاً، فقال تعالى: { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}[التوبة: 36]. أفلا يقرأ المؤلف القرآن؟!!

– الإيلاف لم يكن عرفاً أيضاً، ولم يكن سببها اقتصادي، بل ديني. فالقبائل لم تؤثر قريش بالأمن الاقتصادي إلا في مقابل ما تقدمه من خدمات للحجيج.

صـ 60: يتكلم عن شك إبراهيم عليه السلام بعبادة الكواكب فيقول: “وهو شك لم يكن قد وصل لدرجة الكفر بها بعد. وسيتمثل في موضع آخر من الخطاب القرآني بالمشاغبة على الأوثان بتحطيمها واتهام كبيرها”.

– هل هي مشاغبة يحاول من خلالها المراهق أن يعرف ردة الفعل؟!! أم هو تحدي لإظهار عجز الآلهة المزيفة؟!!

– ثم لماذا التركيز على كفر إبراهيم عليه السلام؟!! وما الدليل عليه؟!!

صـ 60: “والمعروف أن قريشاً كانت تصلي صلاة للشمس عند الضحى”.

أين الدليل على هذا الكلام؟!!

صـ 70: “تخرجه عن دائرة النظرة التقليدية للدين ودوره: الراحة والطمأنينة عبر الصلاة والتعبد والتنسك”.

– تخرجه؟!!

– هناك فرق بين طمأنينة القلب وطمأنينة الجسد.

– لماذا الإصرار العجيب على إضعاف دور العبادات، مع أن الصلاة – كمثال – هي الركن الأول من أركان الإسلام؟!!

صـ 83: “الخطاب القرآني… عمد إلى إثارة تساؤلات أكثر مما عمل على طرح الأجوبة. وهذه الحقيقة تصدم النظرة التقليدية المتوارثة التي تعمد على تمييع إشارات الاستفهام في الخطاب القرآني وتحويلها إلى الإنكار وصنوف البلاغة والمجاز والتأويل وغيره… قليلة جداً وخاصة جداً هي الأجوبة”.

– هذا الكلام بحاجة لإثبات علمي من القرآن بالأرقام، فالدعوى سهلة، ولكن إثباتها صعب. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لو يُعطى الناس بدعواهم لادّعى رجالٌ أموال قوم ودماءَهم، ولكن البَيِّنَة على المُدَّعِي، واليمين على من أنكر” [السنن الصغرى للبيهقي]. بل لادعوا دينهم أيضاً.

صـ 84: “يتفاعل الخطاب القرآني مع الإنسان قيد التكوين؛ يزرع فيه ألغاماً، وينسف مفاهيم”.

– النظرة الثورية تلك تصلح للحركات السياسية اليسارية، ولا تصلح للخطاب الإسلامي الذي بنى شخصية المسلم بهدوء في (24) عاماً.

– الإسلام يدعو الإنسان للتفكر والتدبر، لا الانفعال والهياج الفارغ الذي يصوره المؤلف بإيحاءاته.

صـ 108: “وقال [صلى الله عليه وسلم] لأبي بكر وعمر: لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما أبداً”.

هذا يدل على رجاحة عقلهما، وأنهما يكملان بعضهما، ولا يدل على وجوب عمل المستشير برأي مستشاريه.

صـ 126: يبدأ كلامه عن موسى القوي الجبار الذي كان قائداً قومياً لقومه ثم يقول: “والنقاش في ذي القرنين… لا يهمنا في شيء، واختلاف المفسرين في هذا الشأن مسألة ليست ذات شأن”.

لا يهم النقاش والاختلاف وتعدد الآراء والانفتاح العلمي، ولكن المهم هو التعنت وأحادية النظرة والبيرقراطية الفكرية والدكتاتورية في الرأي!!

صـ 128: يذكر رؤوس أقلام عن الروايات الإسرائيلية في التفاسير عن قصص سورة الكهف، ويوحي على عادته أن المفسرين ذكروها قناعة بها، ثم يقول: “وهذه التفاصيل كلها غير مهمة”.

– يجزم المفسرون على أن تلك التفاصيل ليست من شرعنا، وليست ذات فائدة، ولكنها من باب: “حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ”.

– لا أحد يخالف في أنها غير مهمة، ولكن تلك التفاصيل هي من سؤال الأعداء والانفتاح على الآخر ولو كان خصماً لدوداً، وهذا من عظمة العلوم الإسلامي وسعتها. أليس هذا ما يدعو له المؤلف، فلماذا يستنكره على غيره؟!!

صـ 129: يعرض أقوال المفسرين في سبب التمكين لذي القرنين فيقول: “إنهم متفقون أن السبب هو العلم، باستثناء رواية واحدة عن كعب الأحبار – وهي خرافية لدرجة أن معاوية عنفه عليها، إذ إنه فسر بناء على إسرائيلياته، السبب بأنه قدرة ذي القرنين على ربط خيوله بالثريا… وقبل أن يصرخ أحدهم بأن العلم الذي قصده المفسرون هو العلم الشرعي…”.

– كثير من التفاصيل يذكرها المؤلف ولا فائدة منها إلا التعريض بالصحابة والعلماء والطعن بهم، فهو لا يوفر فرصة لذلك.

– المؤلف هو الوحيد المصيب، وكل هذه الأقوال هنا على خطأ.

– كنت أنتظر هنا فيلماً درامياً يتمتع بكثير من الإثارة، لكنه خيب ظني، فقد كنت أنتظره أن يقول: لم يتمكن كعب الأحبار من مواجهة المؤسسة التقليدية، وانهار عندما اصطدم بأطماع الجبهة التقدمية، فكلا الكتلتين كان لهما تأثير كبير في تعقيدات الأوضاع الاجتماعية والسياسية، على الصعيد القديم والحديث في ظروف يصعب الحديث عنها قبل قيام الساعة!! لكن تسطيح الأفكار واستغراق التاريخ في كتابة ذلك منع من كتابته.

– لم يقل أحد بأنه العلم الشرعي، ومع ذلك فقد انتقل من التقول على العلماء هنا، ليجعلها في الصفحة التالية حقيقة، فافترى على العلماء أنهم قالوا بهذا القول حقيقة!!

.

تقديس العقل وتقديمه على النص:

صـ 18: “إنه يؤسس للغة جديدة في العلاقة بين الله والإنسان؛ لغة تعتمد على العقل، بعدما ثبت للبشر فشل اللغات الأخرى”.

فما هي اللغات الأخرى، وما وجه فشلها؟!!

صـ 47: جعل الإنسان “فاعلاً حتى في المعجزة” بعقله.

لقد أوشك المؤلف أن يجعل المعجزة في العقل لا في القرآن، والقرآن ليس إلا دالاً على معجزة العقل الذي يقدسه المؤلف!!!

صـ 49: “كيف استطاع أن يجعل العقل هو الهدف والوسيلة في التغيير”.

يعود مرة أخرى لإحلال العقل مكان كل شيء، فما هو دور النصوص إذن؟!! فمن السهل أن تُشعر الغبي بأنه في قمة الذكاء، ثم تُشعره بأن عقله هو أساس كل شيء، ثم تتركه يدمر بجهله دعائم التشريع!!!

نحن نريد علماً ومنطقاً، فمن تعلمه؟!! والكلام الأدبي العائم جميل، لكنه كالغبار فوق البوصلة يدفنها!!!

صـ 62: “إنه العقل الذي سبق الوحي، بل ومهد له وعبد له الطريق، إنه العقل الذي مثل البوتقة التي انصهر فيها الوحي الإلهي وتفاعل وتكامل معها”.

صـ 63: “الحجة هي العقل، عقل إبراهيم المنفرد السابق على نزول الوحي”.

لا يوجد دليل أن عقل إبراهيم كان سابقاً على الوحي أولاً، ولا يعني أن نقدم العقل على الوحي في حال اجتماعهما ثانياً!!

صـ 112: “التجديد هو في الحقيقة رؤية أخرى ونظرة أخرى، إبصار للشريعة بعين الواقع المعاصر والخبرة المتراكمة، لا بعيون الموتى”.

– هل يشترط في الرؤية أو النظرة أن تكون مختلفة لتكون جديدة؟!!

– هل من ضوابط الاستنباط مطابقة الحكم للواقع ولو خالف النصوص؟!! فهذه مغالطة واضحة؛ لأن جميع الفتاوى كانت متوافقة مع الواقع، وإلا كيف عمل بها الناس وتلقوها بالقبول؟!! أم لعل الناس أيضاً قد شربوا من شراب معاوية الذي سيأتي ذكره حتى أنهم لم يعودوا يدركون الانحراف العظيم في الدين!! بل ويطبقون أحكاماً غير واقعية وغير قابلة للتطبيق!!

– هل من التجديد أن نهدم كل العلوم السابقة ونبدأ بناء الحضارة الإنسانية من الصفر؟!!

– هل نترك ضوابط الفهم (علم المنطق) وضوابط الاستنباط (علم أصول الفقه) التي دعت إليها النصوص في دعوتها لإعمال العقل لنكون مجددين؟!! أم نترك النصوص أيضاً لأنها جاءتنا بعيون الموتى؟!! هذه دعوى عامة ماكرة لترك القرآن والسنة.

.

الرموز والأسرار:

صـ 19: يتكلم عن “الرمز”، و”كلمة السر”، و”الأسرار”.

صـ 61: “والأب هنا هو رمز”، ومحاولة فك أسرار الخليقة بالاعتماد على العقل”.

صـ 71: “تتسرب بشكل سري”.

صـ 90-91: “بل تكون رمزاً لعملية تطور إنساني ضخم… وفي كل زمان ومكان يحاصر المخاطب، ويضعه في زاوية ضيقة، يصفعه ويجبره على أن يفكر، أن يعيد النظر”.

الأسلوب الإيحائي في الاستنتاج هو أسلوب صوفي غير علمي، فوسائل الاستنتاج والاستدلال العلمية العالمية مذكورة في أصول الفقه، وليس منها الإيحاء.

صـ 125: “ترد القصة المثل المعبر عن المقصد الإلهي… أما القصة التي اعتمدها الخطاب القرآني ليرسخ الفكرة…”.

– يدخل المؤلف ابتداء من هذه الصفحة وما بعدها في عالم التفسير الرمزي الباطني الذي يعتمد على الأمثال والرمزية، ويترك الحقيقة والاستنباط العلمي.

– المؤلف يسرد وينظم ويطرح أفكاره وآراءه ويحشد لها النصوص من هنا وهناك، والتي بعضها صالح للاستدلال والآخر فاسد. فهو باختصار يحشد النصوص ليعبر عن مقصده هو، وليس عن مقصود النص.

– المقصد الإلهي إن كان على درجة من الأهمية التي يذكرها المؤلف لصرح بها النص بصيغة قطعية لا تحتمل، حتى لا تضل الأمة وتنحرف كما هو حاصل على رأي المؤلف!! لا أن تبينها النصوص بالرموز والإشارات والإيحاءات وإشارات الاستفهام المجردة عن الجواب كما يقول المؤلف!!

– ثم يجعل المؤلف آراءه وأفكاره هي المقصود الإلهي، فيستخدم جميع المحظورات، كالحذف والتحريف والتزوير والاجتزاء، للوصول لهدفه السامي وآرائه العبقرية التي هو المقصود الإلهي.

صـ 132: يتكلم عن مفهوم ذي القرنين للجهاد فيقول ناقداً المروجين للجهاد العسكري: “فهم يتصورون ويروجون للجهاد مفهوماً سطحياً مسطحاً ملخصه… جمع النيات الطيبة والسيئة وصبية هاربين من المدارس ومن أولياء أمورهم… ونقلهم إلى ما يفترضونه (ساحة جهاد)… وربما لو انتظموا في دراستهم أكثر وتبحروا في أسرار الكون… وسيكون ذلك افضل بالتأكيد من قتل السياح والنساء المتبرجات بحجة الجهاد وتغيير المنكر”.

– يكفيهم أن يتبحروا في الأسرار، ولا حاجة للتبحر في العلم.

– يتعمد مرة أخرى خلط المفاهيم ليصل إلى ما يريد، فهل قتل السياح والنساء من الجهاد؟!! ثم ألا يعلم المؤلف أن هذه العمليات المخالفة للشريعة ليست خارجة عن مفهوم الجهاد فحسب، بل هي من صنع المخابرات أيضاً!!!

– يفسر هنا الجهاد بطريقة الإشارات والأسرار.

صـ 135: “والارتقاء عبارة محملة بالمعاني، حبلى إلى أقصى حد بالإيحاءات”.

عدنا للإيحاءات، وهو ليس منهج الصوفية الذي ينتقده المؤلف؛ لأن منهج الصوفية هو التفسير الإشاري، أما هذا فهو التفسير الإيحائي، وهو منهج باطني خالص نقي!!

صـ 136: يقول شارحاً لقوله تعالى: { أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ} [ص: 10]: “وارتقاء الأسباب هنا يوحي بطريقة ما بتسخير العلم لتحسين أسباب العيش لدى الناس… إنه العلم الذي يفكر بالإنسان… كمتطلبات للعيش الأفضل”.

– كل كلمة يمكن إضافتها لكلمة الأسباب تصلح للتفسير عند المؤلف: أسباب العيش، وأسباب التكاثر، وأسباب إشباع الغرائز، وأسباب الرفاهية… الخ.

– لا يوجد في الآية أي شيء يدل على هذا.

– ليس الإنسان مجرد متطلبات عيش، وليس هدفه الأسمى الحياة الأفضل… فأحياناً يكون هدفه الأسمى الدعوة التي تؤدي للحصار والتعذيب، أو يكون هدفه الجهاد الذي يؤدي إلى الاستشهاد أحياناً. وليس في متطلبات العيش ولا في الحياة الأفضل.

.

مدح العلمانيين وغير المسلمين:

صـ 16: والكلام عنه صلى الله عليه وسلم: “بدا ذلك الرجل أنه سيكون واحداً من تلك الأقلية المستنكرة؛ مثل الأحناف، أو بعض النصارى من العرب”.

فما وجه كون الأحناف أقلية، وما وجه ربطهم بالنصارى؟!! فلا هم أقلية من حيث العدد، ولا وجه لمقارنة المذهب الفقهي الذي خلافه في الفروع، بالديانة التي تخالفنا في الأصول!!!

صـ 49 يمدح الجابري وكتابه “نقد العقل العربي”.

صـ 61 نقل عن كتاب “مفصل تاريخ العرب قبل الإسلام” للدكتور جواد علي.

وهما الكتابان الوحيدان اللذان استقى منهما.

صـ 81-82: يقول عن قوله تعالى: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} [البقرة: 211]: “كان سؤال الرسول [صلى الله عليه وسلم في المدينة] لبني إسرائيل جزءاً من عملية حوار مفتوح وشامل مع فئة أو جماعة كانت ولا تزال جزءاً حيوياً من المجتمع المدني… إنه انفتاح على الآخر – حتى لو كان عدواً لدوداً – إنه انفتاح وتفاعل مع التجارب الحضارية والرؤى التراثية المختلفة… رؤية تفاعلية للاستفادة من الخبرات والتجارب… ليأمر الرسول بالتفاعل مع الآخر حتى لو كان هذا الآخر بني إسرائيل… يسأل حتى عدوه، فإن السؤال المعرفة… على بُعْدِ آيات فقط يبدأ تدفق الأسئلة داخل المجتمع المدني… فكسرت الحاجز وأثمرت تساؤلات موجهة للرسول… لقد كسر الحاجز: وانطلق مارد السؤال من القمقم”.

– انظر العبارات المستخدمة مع اليهود؛ من حوار: وجماعة حيوية، وجزء من المجتمع. بينما يصف رأي المفسرين للسؤال بإقامة الحجة عليهم في آخر صـ 78 على أنه “قراءة تقليدية مسطحة… ضمن إطار آيات الجدل والمحاججة”.

– المؤلف ينفتح كثيراً مع الحضارات الأخرى ويقبلها، لكنه لا ينفتح مع المدرسة التقليدية التي يطعن بها في طول الكتاب وعرضه، ولم يعرفنا عليها أبداً من تكون. بل يستفيد من تجارب وخبرات الكفار، لكنه لا يقبل أبداً الانفتاح مع جسد أمته.

– الآية لا تتضمن سؤال استعلام ولا انفتاح ولا تفاعل ولا استفادة من التجارب والخبرات، بل حتى لا تنتظر الإجابة على السؤال؛ لأن الجواب متضمن في السؤال: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}. فالسؤال هنا فيه زجر وتبكيت للآخَر، وليس استعلام حواري كما يدعي المؤلف، أثناء محاولته المستميتة للخلط بين أنواع الأسئلة ليصل إلى غايته التي يريد.

– لقد وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قمة التفاعل مع بني إسرائيل عندما قتل قبيلة منهم، وهجر أخرى، لكن عين بصيرة المؤلف لم تلحظ ذلك، وأغلق عينيه عن تلك الحقيقة.

– سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لهم عن حالهم القديم مع الآيات البينات ليس سؤال معرفة، فهو يعلم تكذيبهم بالآيات البينات، وأخبرته بذلك آيات القرآن الكثيرة. إذ كيف يكون سؤال المعرفة عن شيء معلوم جوابه؟!! فلعل المؤلف لم يطلع على تلك الآيات.

– ترتيب الآيات في المصحف ليس له ارتباط بالترتيب الزمني، فليس من الضروري أن يكون سؤال الصحابة تالياً لآية سؤال بني إسرائيل.

– ويختم المؤلف روايته الرائعة التي تصلح لفيلم كرتوني بهذه العبارة، فلم ينكسر غير حواجز المؤلف، ولم ينطلق غير إيحاءاته.

صـ 105: “إنه الانفتاح غير المشروط على الآخر”.

– لا يوجد أي قانون أو نظام في الدنيا غير مشروط، فهل إسلام المؤلف خارج عن قوانين وأنظمة البشرية؟!!

– القانون والنظام غير المشروط أبداً هو نظام ضبابي عائم لا يمكن تطبيقه في واقع الحياة. وهو لا ينطبق إلا على قوانين وأنظمة وعقائد الباطنية فقط لا غير.

– لماذا نجد عند المؤلف هذا الانفتاح العجب على الآخر، بينما لا نجد عنده هذا الانفتاح على الذات؟!! فهو دائماً يغمز ويلمز ويطعن في مؤسسات لا يملك الجرأة حتى لبيانها!!!

صـ 150: ينقل المؤلف عن الجابري قوله في ثابتي تطور العقلي الغربي: “اعتبار العلاقة بين العقل والطبيعة علاقة ثابتة من جهة. والإيمان بقدرة العقل على تفسيرها والكشف عن أسرارها من جهة ثانية”، ثم يعلق على كلام الجابر قائلاً: “وبالرغم من أن الجابري يرى شيئاً آخر”.

– العلاقة ثابتة، ولكن ما هو نوع العلاقة؟

– هذا يحتمل أحد أمرين: الأول تفسيرها يختلف من شخص لآخر، وهذا يعني أنها غير ثابتة، وهذا ينقض الفقرة الأولى. الثاني: التفسير والمعنى واحد عند كل الناس، وهذا يقتضي أن تكون العقول ثابتة ومتساوية، وهذا مستحيل. أو أن العلاقة يقينية لا يمكن أن يقعل الاختلاف فيها، وحينئذ لا حاجة للتفسير والاكتشاف بالعقول في شيء يقيني ثابت لا يحصل فيه اختلاف.

– لماذا لا ينتقد المؤلف الجابري لأنه يخالفه في الرأي؟!! ولماذا لا يتهمه بالانحراف وتعمد التحريف لأسباب سياسية ودينية، و…. غير ذلك مما اتهم به المؤلف غيره من عامة المسلمين.

.

الفكر الرافضي:

صـ 49: “آن الأوان للبحث في تكوين العقل المسلم، وهو التكوين الذي نرى أنه لم يتم لظروف تأريخية موضوعية، وأكتفي بمعطيات التجربة النبوية الأولى، والتي تم تغييبها وتحويل مسارها عبر الانقلاب السياسي الكبير الذي حل في صفين عام 37هـ”.

صـ 50: “إرهاصات العقل المسلم الأولى لا تحارب اليوم إلا عبر مفاهيم ورؤى تتنكر بالزي القرآني وبالسنة النبوية. ولا غرابة في ذلك أبداً، فذلك هو جوهر تأريخنا بأكلمه”.

جوهر تأريخ المؤلف أن العالم الإسلامي كله منحرف بعد الخلفاء الراشدين، وفئات قليلة هي الباقية على الحق!! وهذا لم يقل به إلا من قال بردة الصحابة. وهو مخالف للقول بالإجماع، وفيه رد للأحاديث التي رواها أولئك المنحرفون!! فهو وسيلة لإلغاء ثوابت الأمة المتفق عليها!!

صـ 53: “فعبر عصور الانحطاط استطاعت المؤسسات الاجتماعية التقليدية أن تؤسس لهذا المفهوم وتدعمه عبر شواهد وتأويلات محرفة… وهي تعلم جيداً أن لا تعايش لها مع المفهوم الحيوي للإسلام وللخطاب القرآني… لذلك فضلت عبر القرون – وبحنكة متقنة مكتسبة من التجارب التاريخية – أن تتعايش مع مفهوم سلبي ومخدر للإسلام عموماً”.

– هل هذه دعوة لإغلاق المؤسسات الشرعية لنعود للعمل الفردي، أم لنعود للشريعة الليبرالية؟!!

– هذا الكلام فيه اتهام واضح بأن التخريب النابع من تلك المؤسسات متعمد، فلماذا ينكر هؤلاء نظرية المؤامرة ضد عدونا، ثم يتهمون المسلمين ومؤسساتهم بها؟!!

– نظرية المؤامرة والاتهام بالنيات وسوء الظن بالجملة في عموم المسلمين لا يجوز شرعاً داخل المجتمع المسلم، وإحسان الظن بالأفراد مطلوب، فكيف بإحسان الظن بالمؤسسات؟!!

– إذا كانت المؤسسات تفضل وبحنكة متعمدة الإفساد، فما هو حال الأفراد؟!! لماذا سكتوا جميعاً خلال قرون؟!!

– لماذا ظهرت عبقرية المؤلف ونبوغه على حين غفلة بعد قرون من الزمن ليصلح انحراف المؤسسات والأفراد، بل يتهمهم بأنهم جميعاً اختاروا الباطل عمداً لأنهم لا يستطيعون التعايش مع الحق؟!!

صـ 71: “سارت رياح التاريخ بعكس ما تشاء سفن العقيدة، وأنتجت ظروفاً وملابسات تاريخية أرضية فكرية غريبة عن منهج التساؤل والشك… والأسوأ أنه يتخفى بالآيات والأحاديث ويتخذها غطاء ووسيلة”.

– مصدر التحريف والعبث بالدين المجهول دائماً عند المؤلف ولا يصرح به… من هو؟!!

– من الذي يتخذ النصوص غطاءً؟!! أنت أم هؤلاء المجهولين الذين لا تصرح بهم؟!! ومن له الحق في الحكم بينكم؟!! إن كان العلم هو الحاكم فالمؤلف غِمْر لا نعلمه، فهو ليس له سابقة علم نعرفه بها، فهو ليس له إلا هذا الكتاب (عندما ألفه)، وإن كان العدد هو الحاكم – على الطريقة الديمقراطية – فهذا الكتاب شذوذ لم يسبق إليه أحد إلا بعض الشواذ فكرياً عبر التاريخ، فهل نتهم عقول كل هؤلاء العباقرة الذين مروا عبر التاريخ لنتبع هذا المجهول؟!!

– فرضيات المؤلف التي خالف فيها سياق النص الذي يثبت خلاف كلامه، أصبحت هنا من الثوابت والمسلمات.

– فرضيات المؤلف استنبطها من ثلاثة نصوص قرآنية فقط لا غير، ومن حديث واحد فهمه على عكس معناه، فيبدو أن القرآن والسنة قصرا في التركيز على مسلمات المؤلف حتى انحرفت الأمة.

– لقد سار القرآن كله بخلاف مقصود المؤلف، فأدخل الشك في قلوبنا تجاه ما يقوله المؤلف استنباطاً من ثلاثة نصوص، والشك طريق العلم اليقيني بأن المؤلف على ضلالة.

صـ 77: “فتأثير هذه العقيدة يجب أن يدرس… بعيداً عن اللغة الخطابية العتيقة التي تتصور الإيمان تصوراً مسطحاً خالياً من الأعماق النفسية والاجتماعية”.

– هل درس أفراد العصر الأول الخطاب القرآني بهذه الصورة حتى صار عصرهم زاهراً؟!! فأين الشواهد على ذلك؟!!

– إذا لم يفعل العصر الأول ذلك، فلماذا يوجبه علينا المؤلف؟!! وهل جاء بما لم يأت به الأوائل؟!!

– ما هو حال العامي الذي لا يمكنه أن يفعل ذلك؟!! هل يُعدُّ منحرفاً؟!! أم يجب عليه أن يسير على ما يمليه المؤلف عليه دون تفكير أو تساؤلات حتى لا يكون منحرفاً؟!!

صـ 77: “إن المؤسسة الدينية التقليدية… عملت على تغييب، بل وقمع، وحتى قتل روح التساؤل المبثوثة… في مشاهد الخطاب القرآني… واليوم أكثر المقولات عن التساؤل هي مقولة (السؤال عنه بدعة)، ويرد بعدها في ذهن الإنسان (كل بدلة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، أي إن النار تستخدم هنا لقمع التساؤل وقتله… وقد دأبت المؤسسة الدينية بكل حماسة على محاربة السؤال والتساؤل وسط ظروف تاريخية وملابسات سياسية”.

– هذه كلها اتهامات ودعاوى بحاجة إلى دليل من الواقع.

– عبارة (السؤال عنه بدعة) المشهورة لا تقال إلا في ذات الله والتفكير فيها، وذلك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التفكير في ذات الله. والخوارج يعممونها في إثبات الضلالة والكفر في كل الناس، والمؤلف يعمم ضدها في وجوب السؤال عن كل شيء حتى في ذات الله تعالى.

صـ 101: “وعندما كان الرسول يأمرهم بأن يسألوه كان الناس يبكون، بل ويكثرون من البكاء، لقد كانوا يعون ربما بغموض أن كل تساؤل هو ضربة معول في عالمهم القديم… [الذي] كان مجموعة من قيم وتقاليد قبلية راسخة في نفوسهم وعقولهم وذاكرتهم… وهو انفصال، لهذا سيكون مؤلماً جداً إلى حد البكاء”.

– هل نقطة الانحراف عند المؤلف بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقضاء أبي بكر رضي الله عنه على الثوار كما يقول الرافضة؟!! أم بانتهاء الحكم الراشدي ووصول الأمويين للسلطة كما قال في مواضع أخرى؟!!

– إكثار النبي من طلب السؤال كما يدعي (وسنبين تحريف ذلك في موضعه)، وقيامهم هم بالسؤال ينبغي أن يكون موضع سرور على عقلية المؤلف، فهم يمارسون هدف التشريع وهو “السؤال”.

– لقد استشعر الصحابة قرب أجله صلى الله عليه وسلم فهم يبكون، فانظروا تحريف المؤلف للحوادث.

– هل هم يبكون على تقاليد الجاهلية القبلية؟!! أم يبكون على تقاليد الإسلام القبلية؟!! إذا كان الأول فهو طعن في الصحابة، وإذا كان الثاني فمصيبتنا في المؤلف حينئذ!!

صـ 102: “وكان كل منهم يبكي وثناً في نفسه يعرف أن السؤال الذي يدور في باله سيحطمه”.

– ما الدليل على أنهم يفكرون بما قاله المؤلف؟!! أين البراهين والأدلة التي جاءت بهذه النتيجة؟!!

– هذا اتهام عظيم للصحابة، وهذا افتراء عظيم على الصحابة!!

صـ 104-105: “إنه سائل لديه فكر وعقل ومُهَدَّد بغضب المؤسسات الاجتماعية التي ستمنع سؤاله وتحاربه… هو يشبه الثائر صاحب الفكرة، صاحب القضية، صاحب السؤال الذي قد يكون حساباً عسيراً”.

– ما هي هذه المؤسسات الاجتماعية التي يُعَمِّي عليها المؤلف دائماً؟!! أم الغمز واللمز الذي سيتبعه الطعن الصريح؟!!

– هو يتكلم عن آيات، أي: عن عصر التشريع، فهل هذه المؤسسات التقليدية هي حكمه صلى الله عليه وسلم؟!! أم يقصد وجوب الخروج على فكر هذه المؤسسات فور وفاته صلى الله عليه وسلم؟!!

– هو يتكلم عن سؤال المسلمين لنبيهم، فلمن سيكون الحساب؟!! حساب لله والرسول صلى الله عليه وسلم ولنصوص القرآن والسنة؟!! أم حساب للمسؤول الذي لا يملك من أمره إلا تبليغ الشرائع، { فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [يونس: 108، والإسراء: 15].

– لماذا تحريض السائل على العنف والفوضى وسوء الأدب في طرح السؤال؟!!

صـ 107: “فالذين سيشاورون – والشورى ليست طبعاً حضارياً ولا سلوكياً ولا أخلاقياً مؤصلاً عندهم – سيحولون (الأمر) على الأكثر إلى مذبحة، حمام دم، ولعل التجارب التاريخية خير دليل على ذلك، دون الحاجة إلى أمثلة؛ لأن تعدادها سيستغرق تاريخاً”.

– لا زلنا ننتظر معرفة هذه المؤسسة التي يهاجمها المؤلفون!!!

– لا يزال المؤلف على أسلوبه الإيحائي في الغمز واللمز والطعن دون أن يسوق أي دليل!! فكتاب مكون من 600 صفحة يكفينا فيه كتابة صفحة واحدة فقط لا غير يذكر فيها المؤلف هذه التجارب التاريخية!! بل لن نأخذ كثيراً من وقت المؤلف في البحث؛ لأن وقته ثمين، فيكفينا حادثة واحدة اختلطت فيها الشورى بالدم كما يدعي المؤلف!!

– نحن قادرون على الفهم والتقييم لو أن المؤلف ذكر بعض التجارب والنماذج، فلعله يجاري عقولنا الضعيفة التي لا تطيق ما يكتب من العظائم!! لكنه لم يفعل، لذا فنحن غير ملزمين بالتصديق، وليس له منا إلا الأسئلة والشكوك التي يدعوننا إليها، وهو يجب أن يقبل الآخر، وإلا حكمنا بكونه من المؤسسة التقليدية بسبب عدم قبوله لقولنا في الشورى الاستفهامية!!

– في هذا الموضع يخلط المؤلف بين أمرين مختلفين تماماً؛ الأول: الأسئلة ووجوب قبول الأجوبة من جهة، والثاني: النقاش وعرض الآراء وتقبل الآراء – وليس قبولها – من جهة أخرى. وهذا الخلط هو قمة التعسف لتدمير الشورى.

– الشورى حوار، وليست أسئلة، ثم إجبار على قبول الإجابة التي يطرحها المؤلف، تحت دعوى قبول الرأي الآخر والخضوع والخنوع للجواب حتى لو كان بلا حجة!!

– إذا لم تقبل برأي المؤلف، أو لم تقبل جواب السؤال، فأنت تقليدي ودموي ولا تتقبل الآخر، وهذا الاتهام لك لا دليل عليه أيضاً!! فهذا الأسلوب من المؤلف هو تعسف فكري بأسلوب دبلوماسي!! وينطبق عليه كامل ما يطلقه على المؤسسة التقليدية!!

صـ 110: “والتساؤل… تم اقتلاعه للأسف ومن الجذور عبر العقود والقرون المتطاولة. ومجرد الحديث السابق عن دور الشك في الإيمان… كفيل بإحداث عاصفة من الاستنكار والغضب… ما المقصود بالمؤسسة الدينية التقليدية؟… تمثل إرثاً تاريخياً ضخماً يعود لعهود ما عبد الخلافة الراشدة… قد يضم هجيناً من العقائد غير المتجانسة محتواة جميعاً في هذه المؤسسة، وهي مرتبطة بجهات رسمية من الدولة… لقد نشأت المؤسسة الدينية التقليدية في فضاء زماني ومكاني كرس الانحطاط… وعلى مر القرون غلبت المؤسسة تيارات معينة استطاعت تعميم مفردات ثقافية لا عقلانية، وفرضتها على الفكر الإسلامي بشكل عام. لم يخل الأمر طبعاً من كفاح عاصف ضد هذه اللاعقلانية، لكن الغلبة النهائية كانت للتيار اللاعقلاني… إنها لا عنوان ثابتاً لها. إنها تسكن المكتبات والمجلدات والمدارس الدينية والمعاهد والأكاديميات التقليدية… الفكر التقليدي يسيطر عليهم، يفرض عليهم رؤية أحادية قاصرة وسلبية للدين… وتستعمل المؤسسة بخبرتها الطويلة وحنكتها التاريخية شتى الأساليب في ابتلاع التجديد والمجددين…” ا.هـ.

– بعد أن أسهب المؤلف في سرد آرائه بداء من هذه الصفحة في الطعن بكل من يخالفه الرأي، جاعلاً آراءه هي المقياس!!

– لم يورد المؤلف أي إثبات على عشرات الأفكار التي أوردها هنا: تحديد الزمن – أسماء بعض المتزعمين لها – إثباتات على ارتباطها بالدولة – عمليات فرض وإجبار قامت بها المؤسسة، أو قامت بها الدولة تجاه الناس أو المؤسسة.

– التعميم العجيب على كل المكتبات والمؤسسات والمجلدات ووو، فهذه كلها منحرفة على خطأ، والمؤلف وحده الذي توصل إلى الرشد الذي سيقوم به العالم.

– لم يكن المعارضون معاصرون، ولكنهم كل علماء أهل السنة والجماعة دون استثناء، فقد سقاهم معاوية رضي الله عنه شراباً يجعلهم بسببه لا يلاحظون التحريف في الشريعة، بل يجعلهم يسيرون مع التحريف ويروجون له، وانتقل هذا الشراب عبر الأصلاب عبر الأجيال جيلاً بعد جيل، حتى وصل الأمر إلينا. ولم يسلم من تأثير هذا الشراب غير المؤلف أو المؤلفين لهذا الكتاب دون غيرهم!!

– لقد نشأت المؤسسة في زمان كرس الانحطاط كما يقول، فأين نشأ أرباب هذه المدرسة؟!! ألم يتربوا في كنف النبي صلى الله عليه وسلم؟!!

– من له الحق في الحكم على التيارات أيها عقلاني أو غير عقلاني؟!! لابد أنه خالق عالم أعظم من البشر، ونصوصه تحكم أفعال البشر، أو أنه عبقري فذ لم تأت البشرية بمثله، كرامبو وبات مان وسوبر مان والمؤلف، فهؤلاء يملكون قدرات جسدية وعقلية لم تتوفر لغيرهم، يستطيعون من خلالها الحكم على البشر وأفعالهم، بل ومقاصدهم ونياتهم، تماماً كفروع المخابرات العربية!!

– لقد فرضت عليهم المؤسسة أفكارها دون أن يشعروا!! ففقدهم لعقولهم بهذه الصورة، وعدم قدرتهم على استخدامها لاكتشاف ما اكتشفه المؤلف يذكرني بالتنويم المغناطيسي!!

– كل هذا الدهاء والذكاء والمكر والخبث الذي يملكه المنتسبون لهذه المؤسسة، ومع ذلك لم يكتشف أي شخص منهم الحقيقة؟!! ولو لحالات شاذة استثنائية كالتي حدثت مع الذين تابوا من المذهب الرافضي!! أفلم يتب أحد من أتباع هذه المؤسسة عبر التاريخ ويتم إعدامه بسبب فضحه للحقيقة المخبأة وتجرأ على كشفها عبقري هذا الزمان؟!!

– كاد المؤلف أن يقول خذوني!! فهو يتكلم عن مؤلفين مرتبطين بالدولة، فيبثون في كتبهم عقائد غير متجانسة كالتي جمعها المؤلف في كتابه كما رأينا، ويقومون بعملية إيحاء قوية وضخمة لمنع الناس من استخدام عقولهم والتأثير عليهم.

– القول بانحراف الأمة كاملة هو فكرة رافضية خالصة، وبالأخص طريقة الغمز واللمز والطعن دون تصريح. بخلاف الخوارج الذين يكفرون الأمة بصراحة ووضوح.

صـ 112: “قد تحارب المؤسسة الدينية أشياء كثيرة بلا هوادة، لكن حربها الأشد ضراوة والأشد صمتاً في الوقت نفسه كانت وستكون دوماً: ضد التساؤل، ضد السؤال”. ثم يسرد المؤلف فيلم درامي عاطفي مؤثر عن القمع الذي تمارسه المؤسسة الدينية، وعن علاقتها السرية بالسلطات الحاكمة، وعن التحريف الذي قامت به، ثم يقول: “كيف استطاعت وهي تغلق باب التساؤلات أن تغض البصر عن الأسئلة الإبراهيمية بداية الإيمان الإسلامي وعن الشك الذي أوصل إلى طمأنينة القلب”.

– هذه الحرب الموجودة في خيال المؤلف لم تحصل طوال التاريخ الإسلامي، ولم يورد المؤلف عليها ولا دليلاً واحداً!!

– الفيلم الدرامي الذي ساقه لم يتضمن ولا حادثة تاريخية واحدة.

– ليختم كلامه بالشك في الله الذي أصبح مسلمة من مسلمات المؤلف، وكأنه كذب كذبة وصدقها!!

صـ 113: يذكر قول إبراهيم عليه السلام: {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} { لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} [الأنعام: 76-77]، ثم يقول: “لكن المؤسسة تأبى إلا أن تغير هذا الوضوح وتغبشه وتخرج الآيات عن معناها، مقصدها ومغزاها. ولو أخذنا ثلاثة من التفاسير المعتمدة: الطبري ت: 310، ابن كثير ت: 774، القرطبي ت:671…”.

– من هم أرباب تلك المؤسسة؟!! هل هم آزر وقوم إبراهيم وأبو جهل وأبو لهب الذين كانوا على الكفر؟!! أم هم المسلمون من الصحابة وتابعيهم من المسلمين الذين اصطبغوا بنور الإيمان وشريعة الإسلام وطريقته في التفكير ونظرته للخالق والكون والدنيا والآخرة؟!!

– قال تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]. ويريد المؤلف أن يثبت لنا بتكلف وبلوي أعناق النصوص وبتزوير التاريخ الإسلامي: صحة عقيدة الروافض في أن الحفظ هو حفظ الحروف فقط دون حفظ المعاني والمضمون، وبالتالي يعبث بالمعنى المؤلف ومن هو على شاكلته تحت دعوى القيل والقال؛ لأن الاستنباط استناداً لعلم “الهوى” وبعيداً عن علم المنطق وأصول الفقه هو حق لكل الجهال.

– أصبح الخلط في الفقرة التالية مباشرة مسلمة من مسلمات المؤلف على عادته، فينتقل من انقلاب إبراهيم على كفر قومه، إلا انحراف علماء المسلمين بسبب عدم انقلابهم على أفكار الصحابة والتابعين!! فهل يوجد قبل تاريخ الطبري غير الصحابة والتابعين؟!!

– تسوية واضحة بين الكافرين والمسلمين، بين آزر وقوم إبراهيم من جهة، وعلماء الأمة ومفسريها من جهة أخرى؛ لأنهم ساروا على منهج من قبلهم من الصحابة والتابعين كما فعل آزر وقومه!!

صـ 114-115: “رغم أن الطبري يفضل (التوقف) في هذه الآيات وأخذها على ظاهرها، إلا أن هذا التوقف ليس إيجابياً إلا عند مقارنته بالتفسيرات الباقية التي تنكر النظر الإبراهيمي… إن إيراده للآراء الأخرى التي ينكرها يدل على وجود صراع بين تيارين واضحي المعالم… ومقارنة توقف الطبري بتفسيرات القرطبي وابن كثير المنتمين لفترة زمنية متأخرة… ستوضح لنا نتيجة الصراع بين هذين التيارين، وهي نتيجة معروفة سلفاً”.

– الطبري إيجابي فيما وافق فيه شبهات المؤلف، وسلبي فيما عدا ذلك، لقد أصبح كلام المؤلف هو الضابط للحكم على الطبري وعلى كل العلماء، بل وللحكم على النصوص أيضاً!! ثم في أخر النص يصف الموافقين له بالعقلانية، وينفيها عن المخالفين له، فهل الواجب على العلماء أن يتبنوا رأي المؤلف حتى يكونوا عقلانيين؟!! فهذا تحكم وتعسف ليس له حدود؟!!

– إيراد الآراء الأخرى لا يدل على صراع كما يتعمد المؤلف الإيحاء بذلك، بل يدل على انفتاح علمي وتقبل للرأي الآخر بلا حدود، وهذا يدمر كل ما ادعاه المؤلف عن تلك المؤسسة من تعمد للتزوير والتحريف والتورية والتدليس!!

– لقد اعتاد المؤلف أن يجعل كل مخالفة له بالرأي صراعاً، وهذا قمة التعسف والاستبداد بالرأي!! وهذا واضح أكثر في علاقاته الاجتماعية على النت، حيث يحظر كل من يناقشه أدنى مناقشة أو يشكك بكلامه، فلماذا يقبل فكرة الشك بالله، ولا يقبل فكرة الشك بشبهاته وأقواله؟!!

– يظهر من كلام المؤلف كيف يتهم العلماء جميعاً (بألفاظ التعميم) في دينهم بأنهم تعمدوا اختيار هذه الآراء.

– على طريقة المخابرات العربية هو يتهم العلماء في نواياهم، حيث يجعل قصدهم في التحريف الاستجابة للخطابات السرية التي تصلهم من السلاطين بذلك. وبعض المكاتبات السرية للمخابرات اليوم انفضحت، وتلك المخاطبات عبر 1400 سنة لم ينفضح منها شيء!!

– سيادة رأي من الآراء لماذا تدل على تفوق في صراع، ولا تدل على ضعف رأي الأقلية؟!!

– ليختم بما يختم به عادة أي نص: معروفة سلفاً للمؤلف ومسبقة الصنع لديه، إذن يجب أن تكون معروفة سلفاً لنا أيضاً، فيجعل هذه العبارة التي ختم بها هنا نتيجة مسلمة، ثم يبني عليها آلاف النتائج ليدخلها في عقلنا الباطن عن طريق الإيحاءات. وهي طريقة الشياطين في التأليف: { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ} [البقرة: 102].

صـ 116: “وهكذا حسم الموقف! وأربعة القرون التي تفصل بين توقف الطبري المتردد، وحسم ابن كثير ولهجته الواثقة هي القرون التي انحدرت فيها الحضارة الإسلامية وثقافتها إلى درك الانحطاط التي ضاعت مفرداتها بين تشدد لفظي مقيت وشطحات صوفية بعيدة”.

– التعبير عن الرأي هو انحدار للحضارة وانحطاط، ما دام مخالفاً لرأي المؤلف.

– لماذا لم يعبر المخالفون عن رأيهم بوضوح بقوة لينصروا الحقيقة، أم كل البشرية كانت في غباء بانتظار المؤلف المنتظر؟!!

– الحقيقة أن أسلوب المؤلف واستنباطه يتعدى الشطحات الصوفية إلى التفسيرات الباطنية والتحريفات العلمانية.

صـ 117: “ولعل هذه الطعنات والملاحظات على اختيار مثل هذه الآيات واجتزائها من سياقها لا تخفى على مفسرين فطنين مثل القرطبي وابن كثير، ولكنهما كانا يكرسان موقفاً كانت قد حسمته المؤسسة منذ زمن”.

– هل يقصد هنا المؤسسة الدينية أم المؤسسة السياسية؟!! فمن الذي حسم؟ ومتى؟ وكيف؟ ولماذا؟ هذه الأسئلة التي لا يقبل المؤلف أن يواجهه بها أحد!! ويصر على إبقاء فيلم الإثارة من أول الكتاب إلى آخره، وهو يصور هذا الشبح العظيم الذي لا يمكن وصفه ولا ضبط أركانه ولا المحركين له!! هي هي طريقة كل المبتدعة، وآخرهم الخوارج في الحرب على الصحوات، الذين يدخلون فيهم من يعارضهم ليقتلوه، ويخرجون منهم أتباعهم ولو كانوا لصوصاً ومجرمين وقتلة ومخبرين ومنتهكين للحرمات.

– هذه أسئلتنا للمؤلف: لأي حزب أو نظام سياسي كان القرطبي وابن كثير تابعين؟! وما مصلحتهما في هذا الاتباع؟! وما مصلحة أي نظام سياسي أو ديني في تبني هذا الطرح أو ذاك؟! وما هو تأثير شك إبراهيم على المؤسسة السياسية أو الدينية؟! فالأسئلة والتساؤلات في المشرق، والشك في المغرب!!

صـ 118: بين المؤلف وجود فرق بين إعمال إبراهيم لعقله دون إخفاء أمه له، وبين إعماله لعقله مع إخفاء أمه له، ثم قال: “هو فارق كانت المؤسسة وأقطابها تعيه بوضوح، لذلك حرصت على تمييع وتسطيح مسألة التساؤلات الإبراهيمية… وقد استخدمت من أجل تنفيذ هذه المهمة شتى الأساليب والوسائل من الآيات الكريمة المجتزأة من سياقها إلى أساليب البيان واللغة المطاطة… وسط ظروف سياسية واجتماعية بالغة التعقيد والحرج… ولكننا ركزنا على ما فعلت المؤسسة بالتساؤلات الإبراهيمية؛ لأننا اعتبرنا هذه التساؤلات الحجر الأساس”.

– كلام المؤلف يعني أن المؤسسة كانت تعي ذلك بوضوح، وتعمدت أن تضل الناس!!

– هذا الكلام من المؤلف مبني على: /1/ وجود مدرستين. /2/ بينهما صراع. /3/ الصراع مدعوم من جهات سياسية واجتماعية. /4/ تلك الجهات تتعمد إضلال البشر… وكل هذا ليس له دليل ولا برهان. إذ يكفي أن يختلف الطبري مع القرطبي وابن كثير في تفسير آية حتى نتيقن من النقاط الأربع السابقة!!

– المنهج الذي يعتمده المؤلف هو منهج الشك وسوء الظن بكل الناس “بلا استثناء”، وهذا منهج استخباراتي وليس منهج بحث علمي.

– المؤلف يستخدم اللغة المطاطة ليثبت بها أفكاره، ويتهم غيره بذلك، فقواعد المنطق واللغة وأصول الفقه منضبطة لا يستطيع أحد العبث بها، وهو علم منطقي متماسك مثل الرياضيات، لكنه مطاط في عقول الجهال.

– يختم كلامه بعبارة: “لأننا اعتبرنا”!! أنتم اعتبرتم واستنبطتم واستنتجتم وحدكم، وبنيتم على تلك النتائج ولم تبنوا على القرآن، وكل ذلك من آية أو آيتين، وأغفلتم كل آيات القرآن التي تنسف أفكاركم بصراحة ووضوح وبشكل قطعي.

صـ 120-122: “لقد اتفقوا جميعاً – واتفاقهم هذا أمر نادر عجيب – على أن يغيبوا المعنى: اختلفت وسائلهم، فبعض منها واهية ساقطة، والبعض الآخر متقنة مسبوكة لا تخلو من ذكاء وفطنة، وكلها تتجه جهة واحدة وتصب في مجرى واحد: أن يغيروا الحديث الواضح عن معناه، بل يغيروه بالكلية ويعكسوا مراده… ولا ينبغي هنا أن نتصور سوء الظن والقصد في هذه المحاولات”.

– لدى الرجوع للنقول نرى أنهم لم يتفقوا، بل آراءهم متباينة كثيراً، لكنها متفقة في عقل المؤلف.

– اتفاق العدول ليس عجيباً.

– العجيب شذوذ رأي واحد خلال 1425 سنة.

– يطعن بهم صراحة ويتهمهم ويغمز ويلمز، ثم يريد أن يكحل فيقول: لا نسيء الظن!! إنه ليس سوء ظن بالعلماء، ولكنه اتهام صريح.

–  هو إذا اتفقوا طعن بهم، وإذا اختلفوا لوجد المؤلف فرصة أخرى للطعن، فهو كالمنشار يطعن روحة وإياباً، أما بنو إسرائيل فهم حضارة وثقافة ينبغي احترامها في نظر المؤلف.

– ثم إنه في الصفحة التالية يطعن بهم ويتهمهم بالتعمية وغض البصر وإعطاء تأويلات، وأجهضوا، واغتالوا، وذبحوا، وسطحوا، وزيفوا، لكن دون سوء ظن بهم!!

صـ 122: “وكل ما عداه يبدو كما لو كان محدثة.. إذن بدعة.. إذن ضلالة.. إذن في النار”.

– هذه العبارة حديث شريف، فهل نتركها مطلقاً حتى لا تكون موضع تهمة لنا؟ ما الذي يريده المؤلف بالضبط..

– يركز كثيراً على هذه العبارة، مع أنه لم يهاجم بها العلماء بعضهم كما يصور المؤلف أن المؤسسة التقليدية كانت تهاجم مخالفيها بها، والسبب بسيط جداً، وهو أن عبارة: “وكل ضلالة في النار” هي عبارة محدثة.

صـ 123: “والتأويلات المدموغة بختم المؤسسة تجعل الفرد خاملاً سلبياً”.

– الإسقاط من القديم على الحديث يجعله متوافقاً مع الشريعة، لكن إسقاطه لواقع الانحطاط في زماننا على القديم يدعو للتقيوء!!

– هذه المؤسسة أصبحت وكأنها دائرة فتوى أو وزارة أوقاف أو هيئة حكومية حتى يتفقوا بينهم بناءً على توجيهات عليا لم نراها، ولم يتجرأ أحد على فضحها، فلعل الوضع المخابراتي في زمانهم كان أسوأ من زماننا.

– هذا لم يحصل، ولا دليل عليه، فلعل هؤلاء اتفقوا جميعاً عبر الأجيال على التبلد والغباء في الفهم، وهذا شيء غريب لم يحصل عبر التاريخ، ولا يمكن حصوله عقلاً.

– الشيء الذي لا يمكن إنكاره أن المؤلف أديب بارع فائق، لكن يستحيل أن يكون هذا الكتاب من تأليف طبيب أسنان لا سابقة له في التأليف، فمن مؤلف الكتاب إذن؟!!

صـ 149: “وبينما عملت الظروف التاريخية على إقالته”.

ما هي الظروف التاريخية؟ وكيف فعلت ذلك؟

صـ 163: “مجمل الظروف الموضوعية وتعقيداتها، والموروث الجاهلي الذي كان لا يزال له أثر كبير في فجر الإسلام، استطاعت أن تجد لها منفذاً عبر الغطاء الديني المستتر بالقرآن الكريم وآياته، وخصوصاً عبر مطاطية اللغة العربية، لتقدم مفهوماً مخالفاً، بل ومضاداً لمجمل المفاهيم التي أتى بها الخطاب القرآني… وعبر العقود المتطاولة استطاعت هذه المفاهيم أن ترسخ نفسها في المجتمع… وتحولت بالتدريج وبمساعدة سلطة الاستبداد السياسي من مجرد وجهة نظر لتفسير النصوص، إلى نظرة أحادية ملتصقة بالنص نفسه، ولا تقل قداسة عنه… وكما حولت المؤسسة التقليدية التساؤل… من عنصر شديد الأهمية والعراقة… إلى بدعة يستحق صاحبها النار الأبدية… وحديث الوعاظ على المنابر عن الأسباب… ليس سوى من قبيل ذر الرماد في العيون… إلا أن الحقيقة التي يتخفى خلفها هؤلاء الوعاظ هو أن المؤسسة الدينية التقليدية التي ينتسبون إليها لا تحارب فقط، بل تنكر الأسباب بوجهيها العقائدي والفقهي”.

– الانطباع الأولي عن هذا النص أنه فلم هندي يتهم مجموعة من الأشباح الذين لا نعلم من هم، ولا ماذا فعلوا بالضبط ولا كيف!!!

– مجموعة الألفاظ الغريبة جداً، والتي تمثل كل واحدة منها اتهاماً بحاجة لحشد من الأدلة، لكن المؤلف يرفض تقديمها؛ لأنه يسأل غيره وكل شيء، لكن محظور على الناس أن يسألوه: ظروف – تعقيداتها – موروث جاهلي عالق – غطاء ديني – مستتر – لغة مطاطة – مخالف – مضاد – ترسخ نفسها!! – بمساعدة سلطة الاستبداد – العراقة!! – ذر الرماد في العيون – يتخفى خلفها – تحارب – تنكر.

– كلما أراد المؤلف طرح افتراءٍ كبيرٍ واحتاج أن يهرب من الاستدلال له فهو يرميها على: الظروف، التعقيدات، الأسباب الخفية، أشياء ستذكر في موضعها… وهو لم يورد أي أدلة على قيام هذه المؤسسة (التي لا نعرفها) بالتحريف من أول كتابه إلى آخره، ومع ذلك لا يتوقف عن اتهامها والتهرب من ذكر الأدلة بعباراته المعوهدة. ماذا لو تبين خطأ هذه الأشياء التي ستأتي؟!! هل سيكون حينئذ كل ما سبق زيفاً ولغواً ولا معنى له؟!! فانتفاء جريمة التحريف والتزييف والتبديل عن أتباع تلك المؤسسة التي يتكلم عنها المؤلف يعني أن ما قالته تلك المؤسسة صحيح وصائب، وأن ما قاله المؤلف هو مجرد بلاغ كاذب يستحق العقوبة المدنية، فإن تعدى ذلك إلى التطاول والتجريح واتهام الناس في دينهم كان قذفاً يستحق التعزير الشرعي؟!! أم إن الموضوع مجرد تسلية وعبث، فإذا كان صحيحاً اشتهر المؤلف، وإذا كان خطأ لم يخسر شيئاً لأنه يجلس في أحضان المادية سيدته أمريكا.

– بقاء الأثر الكبير للموروث الجاهلي في فجر الإسلام يقتضي أموراً، منها: الأول: أن الإسلام تشريع ومعتقد غير فاعل بالقدر الكافي لإزالة الموروث الجاهلي وإحلال الإسلام محله. أو بعبارة أخرى لم يتمكن الخالق من حفظ شرعه كما تعهد، تعالى سبحانه وتنزه عما يقولون علواً كبيراً. الثاني: هذا يقتضي أن الإسلام لم يكتمل بعد، بل والأسوأ أنه انحرف قبل أن يكتمل أيضاً، وهذا يناقض قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]. الثالث: كلام المؤلف عن الانحراف الشامل، وتستر المخربين بالقرآن يوحي بأنه ليس مجرد أثر، ولكنه اتهام لهم بالنفاق يخشى المؤلف التصريح به.

– الغطاء الديني المستتر بالقرآن كان أمراً طبيعياً في ذلك الزمان؛ لأنه لم تكن هناك علمانية في زمانهم ليستتروا بها، فهم مضطرون لاستخدام الدين في حياتهم!!

– ما نعلمه أن اللغة العربية لسان {عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103، الشعراء: 195]، وليست مطاطة. فاتهام لغة القرآن هو اتهام مباشر للقرآن من وجهين: الوجه الأول: أن ذلك معارض لمعنى الآيتين السابقتين، والوجه الثاني: أن القرآن نزل بلغة مطاطة يسهل العبث بها وبألفاظها وتحريفها.

– المخالفة والمضادة التي قامت بها هذه المؤسسة لمفاهيم الخطاب القرآني؛ هل هي مخالفة لمفهوم الخطاب (الفحوى)، أم يضاد صريح النص؟!! فهذا محال في أصول الفقه واللغة!!

– الاتهام بالنظرة الأحادية غير صحيح، بدليل وجود وجهات نظر مخالفة لا يجرؤ أحد على تجريحها أو الانتقاص منا بالطريقة التي يفعلها المؤلف مع المؤسسة!!

– الزمان: فجر الإسلام، والمجرمون: المؤسسة التقليدية وكل وعاظ المنابر، والجريمة: تآمر وتزوير، والآلة: قوة إعلامية ضخمة تستطيع ذر الرماد في عيون كل البشر.

– لم ينكر أحد الأسباب، فالله تعالى قال في الأسباب العقائدية: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وقال في الأسباب الفقهية: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة: 66]، وهاتان الآيتان رأس كل الأسباب والمسببات الناتجة عنها.

صـ 164: “هناك من بين العلماء من حارب وبقوة هذا الاتجاه، لكن هؤلاء كانوا قلة، ولم يتمكنوا من مواجهة التيار الكاسح”.

– يبدو أنه تم وضع أسمائهم على القائمة السوداء، فتم منعهم من نشر المقالات في الصحف، وتم طردهم من وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي، وتم منعهم من الخطابة، واستناداً للجو السياسي الذي يذكره المؤلف فلابد أنه تم استدعاؤهم أكثر من مرة للتحقيق في أقبية الأجهزة الأمنية المتنوعة… وهنا أود تذكير المؤلف أن قوة العلماء كانت يومها شعبية وليست رسمية، ولم يكن أياً من تلك المؤسسات موجوداً يومها، بل لم تكن هناك مؤسسات ابتداءً!! فلماذا هذا التزييف للتاريخ بطريقة الغمز واللمز دون التصريح؟!! ثم لماذا هذا التهويل للزيف والباطل؟!!

صـ 165: “هي مجرد مقدمة لما حصل فيما بعد للتنظير الفقهي والعقائدي الذي اجتث السببية من جذورها في الفكر الإسلامي. بدء الاجتثاث المنظم الواضح…”.

– أين هذا التنظير في كتب العلماء؟!! وما أرقام صفحاتها؟!!

– يوجد في أصول الفقه مبحث هام اسمه “العلة”، وهناك كلام طويل في التمييز بين الحكمة والعلة والسبب، وتأثير كل واحدة على الأحكام!! ويبدو أن المؤلف لم يقرأ ذلك!!

– يكرر الاتهامات دون أي أدلة برتابة مقززة للمختص، لكنها تدخل لا شعورياً في العقل الباطن للشخص العامي.

– لقد ساق المؤلف بعد هذه الجملة فقرة كاملة مليء بكلام جدلي متسلسل وغير مترابط مع بعضه من جهة، ولا علاقة له بالأسباب من جهة أخرى، والذي لا يُفهم منه شيء على الإطلاق: خلافات – جدل – أسبابهما – نتائجهما – ظلالهما – امتداده – في الكتب – في الوعي – في اللاوعي.

صـ 165-166: “ففي نقطة ما من التاريخ الإسلامي المبكر، وبسبب خلافات سياسية معروفة انطلق وبشكل موضوعي تماماً مسألة الفعل الإلهي… بعض الأطراف التي وجدت في ذلك التفسير غطاءً شرعياً لا يناقش ولا يرد. وبالرغم من أن المسألة عندما طرحت لم يقصد بها إلا المستوى الفوقي (قمة السلطة)، إلا أنه كان من الطبيعي جداً… أن تتدرج المسألة وتكبر لتطول الأفراد في حياتهم الخاصة اليومية، كما تطول حتى… المنظومة المتناسقة والمترابطة من الأسباب والمسببات المتتابعة الواحدة تلو الأخرى… نعم إن الخالق هو الله، ونعم إن الفاعل هو الله، لكن ذلك كله لا علاقة له بما حدث فيما بعد من نفي تام لمسؤولية العباد عن أفعالهم… لقد بدأ الأمر من السياسة لكنه لم ينته عندها أبداً”.

– أين هذه “النقطة ما”؟!! وما هي الخلافات السياسية المعروفة؟!! فأنا لا أعرفها!! وإذا كانت بشكل موضوعي فما وجه الاعتراض؟!! وما هي بعض الأطراف؟!! هل سيأتي معاوية ويحاسبك إذا صرحت وحشدت الأدلة وجرأت بالحق، فها هم شاتمو معاوية يسرحون ويمرحون كالأنعام بل أضل، أم أنك ألفت كتابك لتسوق بعض الأغنام لحظيرة ما!!

– عدم النقاش وعدم الرد لا يحصل إلا في مجتمع يفشو فيه الجهل بالأحكام الشرعية كزماننا، أما في العصور التي يتكلم عنها المؤلف فالحركة العلمية كانت في أوجها، وكان من الصعب خلط الأوراق بالطريقة التي يفعلها المؤلف الآن، فيستحيل مثلاً أن يقال للزاني أو السارق أو نحوهما إنك فعلت ذلك بقدر الله، كما يستحيل في ذات الوقت نفي العلم الأزلي لله بذلك.

– المستوى الفوقي والتدرج كلام فارغ لا دليل عليه.

– يركز المؤلف بشكل عجيب على فكرة الأسباب والمسببات المتتابعة الواحدة تلو الأخرى، وهو مع انعدام الدليل عليه، فهو يذكرني بنظرية التطور، لكن المؤلف وضع الخالق في البداية فقط.

– لقد كان النقاش حول هذه المسألة نقاشاً دينياً بحتاً، ولم يكن في يوم من الأيام سياسياً، ولا استخدم لأغراض سياسية، وأتحدى المؤلف أن يأتي بنص يدل على كلامه في هذا!!

صـ 167: “ولو أنصفوا لما تحدثوا عن الأسباب، لكنهم يفعلون ذلك دونما تعمق، ومن أجل ذر الرماد في العيون. هل هناك تجن في ذلك؟”.

– هذه الجملة مضحكة، فعدم التعمق يقتضي أنهم جهال، وذر الرماد في العيون معناه أنهم علموا وتعمدوا التحريف، فأيهما يقصد المؤلف؟!!

– نقول للمؤلف كما قال تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7]، فإما أن يكون المؤلف جاهلاً لما يقول، أو إنه عالم بما يقول ويتعمد التطاول وانتقاص الآخرين بعبارات متناقضة.

– أما التجني فسيجد المؤلف الإجابة على سؤاله في الصفحة الأخيرة من كشكول الألغاز الذي بناه عن الحياة، أقصد يوم القيامة (الآخرة)، والذي لا يدخل في نظرية الأسباب والمسببات عند المؤلف.

التشكيك بالله وبقدرته وعلمه:

صـ 39: “الخطاب القرآني … استقبله العرب والمؤمنون والمشركون باعتباره المعجزة الوحيدة”.

فما وجه كونها الوحيدة؟!!

صـ 53: “وصف الدين كترنيمة نوم … كما في حال الأديان السماوية السابقة … قد ينطبق أكثر مع حالة التاريخ بصورة عامة، إذ كان الإنسان يحتاج إلى تكيف وتخدير أكثر من حاجته إلى علاج جذري”.

– هذا كلام غريب ليس له أي شواهد من النصوص ولا من التاريخ!!

– هل الإله في الأديان السماوية السابقة مختلف، فلم يستطع تقدير حاجات الإنسان بشكل جيد؟!! أم إن الإنسان حينئذ كان مخلوقاً آخر مختلفاً عن إنسان اليوم، وبالتالي تختلف احتياجاته؟!!

– إما أن المؤلف لا يعي ماذا يقول بالضبط فهذه مصيبة، وإما أنه يعي ما يقول فالمصيبة أعظم والعياذ بالله تعالى!!

صـ 53-54: وردت عبارة: “الذهن الإنساني البدائي” ثم قال: “وبينما وجدت الظواهر الطبيعية تفسيرات – خرافية غالباً – فإن أسئلة أكبر صارت تلح على الذهن البشري وتثقل عليه، أسئلة تتعلق بالوجود ككل:… لماذا؟ من أين؟ إلى أين؟ ومن طبيعي جداً أن يحاول الإنسان أن يتكيف مع هذه الأسئلة بأجوبة تناسب ذهنيته البدائية، بالاعتماد على الخرافة أساساً… وبين الحين والآخر: … كان الوحي الديني … يحاول صياغة أجوبة تناسب الذهنية الإنسانية المعاصرة للوحي الدين… وكان هذا المحور يتجه أيضاً نحو الاطمئنان والهدوء بطريقة أو بأخرى”.

– من هو الإنسان البدائي؟!!

– لا يوجد إنسان بدائي، فقد علم الله آدم الأسماء كلها.

– تعلمها آدم وعلمها بنيه، وهكذا انتقلت عبر الأجيال حتى انحرفت البشرية في عهد نوح.

– أقوال الأنبياء في سورة الأعراف وأجوبتهم متوافقة في كل الرسالات.

– كيف يكون اتجاه الإجابة بالخرافة “يتجه أيضاً” مثل إجابة الوحي؟!!

صـ 70: “نظرة تقليدية تعامل الأديان كوحدة واحدة على أنها جميعاً تتمحور حول إيمان غيبي أعمى”.

هل هذا الكلام يعني أن بعض الأديان السماوية الأخرى بهذه الصورة؟!! وهل هذه الأديان الأخرى غير الإسلام مصدرها غير الله؟!!

صـ 83: “انتهى وقت الخطاب الديني الذي يقدم الطعام بالملعقة لرعاياه المتثائبين”.

– هذه العبارة في ظاهرها المدح، وفي باطنها الذم للرسالات السماوية السابقة.

– هل الإله مختلف، أم بدا له خطأ الخطاب الديني القديم؟!!

– لم ترد ولا كلمة واحدة في القرآن تنتقص من الخطابات الدينية السماوية السابقة، بل انتقص من الأقوام الذين كذبوا أنبياءهم وأخبر أنه عذبهم. على عكس ما يقوم به المؤلف من وصف أولئك الأقوام المنحرفين والمحرفين بالحضارة، ويطعن بالخطاب الديني المنزل عليهم!! فيبدو أن البوصلة القرآنية عند المؤلف تستقي حركتها من غير القرآن.

صـ 92-93: يصور المؤلف في هاتين الصفحتين – وهو يتكلم عن قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 63-64] – كيف أن المزارع يعمل ويجهد نفسه، فينبت الزرع بمفرده، والله يأتي بالمفاجآت والمصائب التي تميت الزرع. وأغفل المؤلف تماماً ذات الزرع، وحقيقة أن الله عز وجل هو الذي ينبته، ولو شاء لم ينبته حتى وإن توفرت كامل الأسباب.

صـ 93-94: يفسر القرآن بـ “افتراضات”.

والفرضية لا ترقى للقوى العلمية التي تسمح بتفسير القرآن بها، وهو يركز بشكل متعمد على الأصل المادي لكل شيء، وبصورة تخالف النصوص، ويتجنب بشكل فج الحديث عن قدرة الله وإرادته في كل المخلوقات، ويتغافل عن أن القرآن نزل لإثبات ذلك.

صـ 95: يتكلم عن قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ} [الواقعة: 68-69]، فيقول: “هناك فئة واسعة لا تزال تخاطب كما خوطب إنسان الصحراء قبل 1400 سنة.. عن الماء الذي يسد الظمأ، الذي يروي العطش، فحسب”.

– الحاجة للماء النازل من المزن ليست قاصرة على أولئك البدائيين والعطشى الذين لا يمكن أن يأتيهم الماء إلا من المطر. هذا يذكرني الملحد الذي قال: إننا في عصر التكنولوجيا وتحلية الماء والاستفادة من المياه الجوفية، لسنا بحاجة إلى هذه الطريقة المتخلفة من طلب الماء في صلاة الاستسقاء.

– أقول لهذا أو ذاك، سواء صرح أو ألمح: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} [الملك: 30]، وماذا إذا تسرب النفط من ناقلة نفط فأوقف محطات التحلية، أو حصل عطل بسيط جمد المكائن وعجز البشر عن إصلاحه من يومه، أو تحول الفلور إلى سم قاتل بسبب خطأ بشري بسيط، أو بسبب رغبة عامل مغمور في الشهرة.

– إن حاجة الإنسان لرحمة الله لن تتوقف، حتى لو ظن أنه استغنى بعلمه وتقنيته، ورحمة الله لن يخرج عنها، لكنه أوقع نفسه تحت رحمة المخلوق العاجز الانفعالي المتقلب الذي قال الله عنه: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا} [الإسراء: 100].

صـ 98: بعد كلام طويل عن الزرع والمطر والنار يقول: “إنها تذكره بالزرع والماء والنار – وكلها كانت خطوات مهمة في تكوين الحضارة الإنسانية – وتقول له: مَنْ حقاً صاحب الفضل في هذه؟ وربما هنا الجواب المحدد بالتسمية ليس مهماً، لكن التساؤل بحد ذاته هو المطلوب”.

إن كان الجواب وإثبات الربوبية لله لا يهم، فما فائدة التساؤل إذن؟!! اصقل سيفك يا عباس؟!!

صـ 117: “ولكن أن يكون إيمان إبراهيم الذي هو الجذر الأصيل للإيمان الإسلامي مجرد موضوع خلافي مسألة فيها نظر لو سمحتم… ففرق كبير بين أن ينتمي إيماننا لرجل بحث واحتار وسال… وبين أن ينتمي إيماننا لصبي أخفته أمه في الكهف بعيداً عن الناس خوفاً عليه من النمرود…”.

– لا أحد يخالف في أن إيمان إبراهيم عليه السلام ليس مجرد موضوع خلافي، ولكن من عادة المؤلف أن يفتري على خصومه ليطعن فيهم ويهاجمهم.

– لم يقل أحد من المسلمين عبر العصور: إن إبراهيم لم يترسخ إيمانه بالبحث والسؤال والتفكر والتدبر والتأمل. لم يقل بذلك أحد مطلقاً، لكن على عادة المؤلف في الافتراء على المخالفين.

– هذا خلط مفضوح للأوراق، فالخلاف ليس في هذا، ولكن في شك إبراهيم عليه السلام الذي سبق المؤلف إليه ولم يسبقه فيه أحد من البشر، فهو يقول: إنه شك في قدرة الله ووجوده. والمسلمون جميعاً ينكرون قوله.

– هذا ليس مجرد موضوع خلافي، بل هو موضوع عقدي في أصل الإيمان بالله ووجوده وقدرته، حيث يتعمد المؤلف الخلط بين الشك من جهة، والسؤال للوصول لمرحلة اليقين والبحث والتفكر والتدبر والتأمل من جهة أخرى.

– هذه دعوى مفضوحة للإلحاد والشك في أهم الثوابت.. إنها دعوة للشك بوجود الله وقدرته. وهذا ينافي الإيمان ويضاده، ولا يؤدي إلى الإيمان كما يدعي المؤلف.

– تهويل المؤلف ووصف جماهير الأمة بهذه الأوصاف (دون أدلة) لن يغير حقيقة الدعوة التي ينادي بها دعاة التشكيك بالثوابت من أمثال المؤلف. فالتهويل لن يغير الحقائق!!

– أما قصة إخفاء إبراهيم عليه السلام في الكهف فلم أسمع بها مطلقاً، فلعل المؤلف أخذها من التوراة والإنجيل ويفتريها على المسلمين!!

– ما التأثير والإضافة التي يحدثها إخفاء أمه له على استخدامه لعقله ومناظرته لقومه؟!! فعلى كلا الحالتين هو فكر وأعمل عقله؛ أخفته أمه (على رأي المؤسسة التقليدية الذي يفتريه المؤلف) أم لم تخفيه (على رأي المؤلف)!! فانظروا إلى التلبيس الواضح من خلال الإيحاء!!

صـ 126: ذكر من محتويات سورة الكهف “الحوار (صاحب الجنتين)”.

هو ليس حواراً، ولكنه شك في وجود الله والبعث، ويقين بعزة النفس وتعاليها على البشر كلهم في (العلم) أو الجاه أو المال. ولعل المؤلف يطبق ما يتعلق منه بالتعالم على الخلق والطعن بهم والانتقاص منهم.

.

التشكيك بكل المسلمات والثوابت:

صـ 61: يتكلم عن إبراهيم عليه السلام فيقول: “إنه بحواره مع أبيه يمثل تمرد جيل جديد على الأفكار التقليدية والمسلمات الاجتماعية البالية” لينتقل بعد سطور لعطف “التقاليد والمسلمات والأعراف” مع بعضها دون بيان.

– الحوار ليس تمرداً.

– المسلمات المنطقية الصحيحة لا يعارضها النص ولا الواقع.

– النص القرآني يحاجج الملاحدة بالمسلمات.

– يذكر في ثلاث صفحات فقط قبل هذه الصفحة هجوم إبراهيم عليه السلام على أباطيل المشركين التي جعلوها مسلمات، وفي الجملة الأولى من هذا النص – وهي الوحيدة – يوضح نوع المسلمات الخاطئة، وهي الاجتماعية، ثم في باقي الكتاب يهجم هجوماً عنيفاً على كل المسلمات، ومنها الدينية الإسلامية!! فما وجه المساواة بين مسلمات المشركين والمسلمين؟!!

صـ 61: “وحوار إبراهيم مع الكون يمثل نضوج العقل الإنساني… إنه يمثل الحيرة والشك… وذلك برفض كل المسلمات والبديهيات التقليدية، والبدء من جديد من نقطة جديدة”.

– هل هي حيرة وشك من إبراهيم، أم هي محاولة قد يحالفها النجاح أو الفشل، أم هي وسيلة للوصول إلى مرتبة أعلى من مرتبة العلم { وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75]، كما ذكرت الآية؟!!

– هل هي وسيلة ذكية لإيصال فكرة محددة للمشركين، تماماً كما حصل في تحطيم الأصنام؟!! كما قال تعالى في الآيات التالية مؤكداً هذا المقصد: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} [الأنعام: 83].

– البدء من نقطة جديدة هدف عند المؤلف، فهل تقتضي البوصلة القرآنية أن فنقتلع البوصلة من جذورها، لنبدأ من نقطة جديدة تماماً؟!!

– المسلمات الحالية نابعة من القرآن – ومنها بوصلة المؤلف – فهل ندرس القرآن من جديد لنتأكد من سلامة أفكاره، ولا نكتفي بدراسة من قبلنا؟!!

صـ 62: “متحرراً من كل الأحكام التقليدية”.

ليس الكل، فقد أيد الإسلام بعض أخلاق وتشريعات الجاهلية. ولينظر القارئ كلام أم المؤمنين عائشة عن عقود النكاح في الجاهلية، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم عن حلف الفضول، وقوله: “خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا”.

صـ 62-70: “هل كان يمكن للوحي أن يتنزل على عقل خامل لا شك فيه ولا تساؤلات، هل كان يمكن أن ينمو الإيمان في عقل لم يعرف الشك… والوحي الإلهي لم ينزل إلا على عقل شكاك، إذ لا يكتمل الإيمان إلا هناك… وعندما تكون رسالة إبراهيم قد بدأت من تخوم الشك والتساؤلات… تجربة الشك… الإسلام إذن بدأ من الشك… من رفض القبول المسبق… علاقة الشك والتساؤل بالإيمان… ليست علاقة أولية تبدأ حتى تنتهي… ولا تنتهي بالوصول إلى يقين نهائي يتحول مع تقدم الوقت إلى يقين غبي ومتوارث… ذروة الإيمان التي لا يمكن الوصول إليها إلا عبر الشك… فإبراهيم لم تمنعه مكانة الوحي الإلهي… من أن يعلن صراحة عن حاجته إلى إعادة النظر، عن عدم الطمأنينة تشوب أفكاره وقلبه وعقله، عن تساؤل يقترب من الحدود الخطرة، وعن شك لا يزال يحتاج معه إلى بحث. وبالشك وحده وصل إلى اليقين النهائي… هل وصلها بمزيد من التعبد؟… أبداً. ولعله ما كان يصلها أبداً لو استخدم هذه الوسائل. لكنه وصل بالشك… أهمية إعادة النظر وتجديد التقويم، وربط ذروة الإيمان بحالة التساؤل والشك الإيجابيتين… لتعميق فكرة التساؤل في ذهنية المتلقي قيد التكوين… وهما مثالان على أجوبة إلهية لتساؤلات، وشكوك إنسانية على ألسنة الرسل… فالأسئلة والشكوك هنا لا تساور الكفار وأعداء الرسل… والأجوبة الإلهية لا تأتي بشكل صواعق تحرق حناجر الرسل الذين تجرؤوا ونطقوا بالشك، أو بزلازل تبيد القرى… إن هذه المرتبة لم تأت اعتباطاً… ولم تكن بالتأكيد نتيجة تسبيح أو استغفار لفظي… الشك إذن التساؤل قد يفتح باب اليقين النهائي… ونحن أحق بالشك من إبراهيم… يقيناً متجدداً بالشك الذي يتفاعل معه ويفاعله… إنه شك الأنبياء الممتزج بيقين لا شك فيه… الإيمان الغيبي الأعمى يرتكز على الراحة النفسية بهذا الإيمان الخالي من التساؤلات والشكوك… فإن ابتداءه بالسؤال وتتويجه بالشك… إنها عقيدة لا تذبل… لأن الشك يبعثها من جديد”.

هذا الكم الكبير من الإيحاءات العاطفية الغير مشفوعة بالأدلة تتضمن مجموعة من المغالطات الفاحشة:

– هناك فرق بين الشك بالحقيقة والبحث عنها بالسؤال، فالأول يزعزع والثاني يدفع لليقين. لكن المؤلف يصر على الخلط بينهما بشكل عجيب.

– التساؤل سلاح ذو حدين؛ فقد يكون سؤال تشكيك أو سؤال استيثاق، وسؤال إبراهيم عليه السلام أن يريه الله كيف يحيي الموتى من النوع الثاني قطعاً، بدليل قوله تعالى: { قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } [البقرة: 260]. وكذا في سؤال موسى أن يرى الله تعالى، وإلا فما الفرق بين سؤال موسى عليه السلام، وسؤال بني إسرائيل الذي استحقوا بسببه العذاب؟!! فهما يبحثان عن اليقين وهي مرتبة أعلى، وليسا شاكان كما يدعي المؤلف في خلطه العجيب المتعمد.

– لا يصح الخلط بين الإنسان الجاهل الحائر المتشكك، والإنسان العالم الباحث عن الحقيقة المنطلق. فكلاهما تثور في ذهنه التساؤلات، أحدهما بتخبط، والثاني بأسلوب منهجي علمي مدروس.

– الشك والإيمان نقيضان ليس بينهما أي ارتباط إلا علاقة العكس، فالإيمان هو اليقين المطلق، ولا إيمان مع الشك.

– اليقين شيء قلبي، فلا يمكن أن بأي حال أن يكون متوارث كما ادعى المؤلف، ولكن الاعتقاد والأفكار يمكن أن تكون متوارثة، فالفرق بين الإيمان واليقين من جهة، والأفكار والمعتقدات من جهة أخرى كبير جداً.

– يركز المؤلف بشكل واضح على الخلط بين النقيضين (الإيمان – الشك).

– الشعور بالحاجة للبحث ليست بالضرورة ناتجة عن الشك، فالعالِم كلما زاد علمه شعر بحاجة أكبر للبحث؛ لأنه كلما زاد علمه شعر بضآلة علمه وعظيم النقص في مقابلة علم الله خالق هذا الكون العظيم.

– يمكن للمؤلف أن يرجع إلى ما كتبه علماء النفس والمنطق قديماً وحديثاً عن درجات الشك واليقين والعلاقة بينهما، وكيف أن بينهما بون شاسع. فكلامه يدل على جهل عظيم بكل العلوم، وضخامة الكتاب وإبداعه يدل على مؤلف ذو علم غزير وخبرة في التأليف، وهذا يدل على تعمد تحريف وتزوير ودس بهدف تخريب عقول الناس!!!

– تعميق حيرة الحائر هي طريقة كهنوتية مسيحية تعتمد قاعدة: أطفئ نور عقلك واتبعني. فهل ينوي المؤلف يسوق نفسه بنفس الطريقة. إنها نفس الخطة التي تمشي عليها وسائل الإعلام اليوم؛ إدخال الناس جميعاً في اختلاط وحيرة واضطراب حتى لا يتمكنوا من فهم شيء، فينساقوا انسياق الجهال.

– تعليم المتلقي قيد التكوين بتعميق حيرته نتيجتها الغرق في بحار الضلال، ثم لا الإعلام ينقذه، ولا المجتمع، ولا الفراعنة التي تحكم المسلمين.

– الصواعق لم تصب الأنبياء بسبب أسئلتهم، لكنها ضربت بني إسرائيل بسبب ذات السؤال كما قال تعالى: { فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ } [النساء: 153]. والسؤال هنا للمؤلف: لماذا؟ وما الفرق؟

– الإجابة غير المباشرة على السؤال في الجبل ورجوع الحيوانات لا تعطي إجابة، ولكن تزيد غرق السائل في أوحال الحيرة والشك على منهج المؤلف، فهل رجع ذات الحيوانات أم غيرها؟ ولماذا رفض أن يريني الإحياء المباشر؟ فإذا خرج الإنسان من شك واحد إلى مجموعة شكوك على طريقة المؤلف، فمتى سيصل إلى الحق؟ وكيف؟!! فهذا ما يفسر اتساع شكوك بني إسرائيل بينما انتقل إبراهيم وموسى عليهما السلام من الإيمان المجرد إلى اليقين المطلق بسؤالهما. وهذا الفرق بين العقلية الباحثة العالمة والعقلية الشاكة المنكرة، والتي يصر المؤلف أو المؤلفون على الخلط بينهما.

– العبادات عموماً هدف شرعي، والنصوص في ذلك لا تُعد ولا تُحصى، والعبادات المذكورة هي سبب لفتح الله عز وجل على عبده حتى يفكر ويتدبر ويتوب من معاصيه. فهي باب لعون العبد وإخراجه من أوحال الشك التي يدعوننا إليها المؤلف بقوة.

– الشك المتسلسل والمتصاعد يؤدي للإلحاد والضياع، والتساؤل يفتح باب اليقين.

– المؤلف أحق بالشك من الملاحدة وليس من إبراهيم عليه السلام؛ لأن الملاحدة فاقوا إبليس، فهم قد شكوا وأنكروا، بينما إبليس تكبر، لكنه لم يشك لحظة في كلام الله ووعده، فقد أخذ وعداً من الله وبنى عليه نتيجة، وهو واثق موقن بعدم نقض الله لكلامه ووعده: { قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ } [الأعراف: 14-16].

– نحن يقيننا بالله الخالق مطلق، ونسأل الله أن يجعله كيقين إبراهيم عليه السلام. أما حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ”. فمعناه: لو كان عند إبراهيم شك – وهو من الموقنين – لَكُنَّا نحن أحق به منه، فالحديث لم يقل: إن إبراهيم شاك. وهذا رد على من اتهم إبراهيم عليه السلام بالشك، لكن الجاهل باللغة والبلاغة وسبب الحديث وحقيقة إبراهيم التي يرسخها القرآن في كل موضع يفهم الأمور بالمقلوب وبالهوى. كقولك: الشيطان أفضل من فلان، فيفهم المؤلف أن في الشيطان خير، مع أن المعنى: لا خير في الاثنين.

فلماذا يأخذ المؤلف بهذه العبارة المحتملة في هذا النص، ويترك النص القطعي في الآية التالية؟!!

صـ 72-73 يقول المؤلف عن منهجية الشك: “إنما هي ركن ركين من أركان الإيمان… إنها عقيدة البعث… الاختلاف الجوهري بين عقيدة البعث في الخطاب القرآني، وبين نظيراتها في ديانات أهل الكتاب… [حيث] لا تعدو أن تكون أفكاراً ضبابية عامة مسطحة”.

– ما وجه الربط بين الشك والبعث؟!!

– ما الدليل على هذا الربط؟!!

– هل الإله مختلف بين الإسلام وباقي الديانات السماوية ليكون البعث مختلفاً؟!! أم طريقة بعث الأمم تختلف، أم ماذا بالضبط؟!! كلام غامض جداً سيبني عليه المؤلف نتائج عظيمة!!

– أين الشواهد على وصف الأديان السماوية الأخرى بهذه الأوصاف؟!! وهل أُخذ هذا الكلام من النسخ المحرفة الموجودة اليوم؟!!

صـ 75-76: يربط بين القيامة وأسئلتها ومنهجية الشك عنده: “لا بد أن يضع التساؤل في نفسه موضعاً مختلفاً… إن أعظم أهوال يوم البعث يتجسد في فقدان القدرة على التساؤل من شدة الهول… حتى في الجنة لن تلحق البلادة والكسل العقليان بأهلها، ها هم يتساءلون… والخلود في الجزاء أشد أهواله أنه لا يتساءل”.

– نفس الأفكار، لكن وجه الاستدلال واهي جداً جداً، والأسلوب الأدبي الذي برع فيه المؤلف لا يقوى على هدم العلم والحقيقة. فهناك فرق كبير بين سؤال المخلوق لنفسه (التساؤل) الذي يطوف حوله المؤلف، وبين سؤال الأدنى للأعلى (الدعاء والطلب)، وبين سؤال الأعلى للأدنى (الاستجواب لإلزام الحجة)، وبين سؤال الأقران للاستعلام أو التعلم، أو لمجرد الحوار والتسلية والتندر كما هو الحال في الجنة. فما وجه الخلط المتعمد لهذه المختلفات؟!!

– الحديث عن الأهوال أسلوب أدبي إيحائي جميل، لكن ما علاقته بموضع الاستشهاد وبالتساؤل؟!!

– ما الدليل أن الكافر لا يتساءل في جهنم؟!!

– ماذا عن قوله تعالى: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} التي وردت في سورة الصافات: 27.

صـ 76: “أن تكون عقيدة البعث مشكَّلة ضمن هذا الإطار… مسألة شديدة الاختلاف عن النظرة التقليدية المقتصرة على دور الدوافع… الخطاب القرآني يغرس عقيدة البعث والحساب بطريقة تجعل التساؤل ينمو داخل الفرد… بشكل لا إرادي”.

– البعث والنشور والموقف والعرض والحساب والجزاء وما يجري خلال ذلك من حوارات (تساؤلات)؛ كل ذلك أوجده الله فقط لإثبات نظرية المؤلف في التساؤل، وليس العكس!!! فلم يوجد التساؤل ليتحقق الحساب، بل وجد الحساب ليتحقق التساؤل!!

– نحن يجب علينا أن نشكل عقولنا ضمن هذا الإطار!! وكأن المؤلف يريد إدخال هذه التخريفات في عقولنا وقلوبنا بشكل لا إرادي كما يقول هو!!

– لقد جاء المؤلف بهذا الكلام بشيء لم يأت به الأولون، ويستحيل أن يأتي به الآخرون. حقاً إنه يسبح عكس التيار!!

– عندما يدخل ذلك لا إرادياً في حياة الإنسان يجعله كالمؤلف، مخالفاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاثًا قِيلَ وَقَالَ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ” [متفق عليه].

صـ 78: “لفظة (سأل) ومشتقاتها تحتل حيزاً مهماً وكبيراً يصل إلى لفظة”.

– السؤال أنواع باعتبار المقصد، وباعتبار رتبة السائل والمسؤول، وغيرها من الاعتبارات.

– 126 لفظة لا تمثل شيئاً لألفاظ الإيمان: آمن (33)، آمنتْ (5)، أمنتُ (3)، آمنتم (10)، آمنا (33)، آمنوا (258)، تؤمن (3)، لتؤمنن، تؤمنوا (12)، تؤمنون (8)، نؤمن (13)، لنؤمنن، يؤمن (28)، يؤمنَّ (2)، ليؤمنَنّ، ليؤمنُنّ، يؤمنوا (18)، يؤمنون (87)، آمِنْ، آمِنُوا (18)، الإيمان (17)، إيمانٍ، إيماناً (7)، إيمانكم (7)، إيمانه (2)، إيمانُها (3)، إيمانهم (7)، بإيمانهن، مؤمن (15)، مؤمناً (7)، مؤمنَين، مؤمنون (35)، مؤمنين (144)، مؤمنة (6)، مؤمنات (22). فهل نسير وراء الإيمان أم وراء الشك وهما متناقضان؟!!

– لفظ الإيمان لا يحتمل التأويل كما هو حال ألفاظ السؤال، فهل نتبع القطعي أم الاستدلالات السفسطائية التي يسوقها المؤلف؟!!

– الإيمان هدف بذاته مهما كانت الوسيلة (تقليدية، متحضرة، بدائية، علمية مدروسة)، وهو ليس حكراً على العلماء، بينما السؤال وسيلة للوصول إلى هدف لا أكثر ولا أقل، لا فرق بين كون الهدف صحيح أم فاسد.

– العبادة التي ينتقص منها المؤلف على طول الكتاب وعرضه وردت بتصريفاتها (275) مرة، أي أكثر من السؤال الذي يروج له المؤلف على أنه هدف في ذاته، وانتقص في سبيله العبادة التقليدية!!

صـ 79: يتكلم عن الفترة المدنية والخلافات بين المسلمين فيها فيقول: “إن هذه الفترة كانت شديدة التأزم والاستعداد لإثارة التساؤلات وإعادة النظر”.

– هذه العبارة من دس السم في الدسم؛ فإثارة التساؤلات صحيح، لكن إعادة النظر بشكل كامل ليأتينا بشذوذاته التي لم يسبقه إليها أحد فغير صحيح، فهذا باب للفتنة كان يتمناه المنافقون واليهود كثيراً في ذلك الزمان، وهو ما يعمل المؤلف عليه هنا!!

– الربط هنا بين التساؤلات وإعادة النظر كان عفوياً، ثم سيصبح من مسلمات المؤلف في باقي صفحات الكتاب صـ 65، 67، 80، 97، ويصبحان متلازمان لا ينفكان، حتى يدخلا بهذه الصورة في عقل القارئ!!

.

صـ 84: “السؤال هنا لا يخص الإبل… إطلاقاً، لكنه ينزل كالصاعقة على الرتابة المحيطة بالإنسان الجاهلي… ليس المهم هنا الإبل، بل السؤال نفسه… حتى السماء والجبال والأرض ليست مهمة هنا، بقدر ما هو مهم أن نسأل”.

– الهدف من السؤال تنقية الفكر من المفاهيم الخاطئة، وهذا يستوي فيه المسلم والجاهلي، لكن الكافر أخطاؤه كثيرة وجوهرية، وهي الكفر بالله.

– ليس الهدف من السؤال هز الثوابت والتشكيك فيها كما يحلو للمؤلف أن يخلط الأمور.

– ليس المهم الإبل، ولا السؤال، ولا السماء، ولا الجبال والأرض، ولا أي شيء من هذا الوجود، لكن المهم هو الإيمان بالله خالق هذا الوجود وخالق السؤال والجواب. لكن عند المؤلف لا يهم هذا كله، ولا الإيمان بالخالق، والمهم هو السؤال والشك بالخالق.

صـ 101: “لكنه يقف على المنبر ليقول: سلوني، ويكثر من قول: سلوني سلوني سلوني، وهذا الأمر بالسؤال هو بديل الخطاب القرآني عن المعجزات الحسية التقليدية التي قام بها الأنبياء السابقون”.

– هذه الفكرة يتجاذبها جانبان: الانتقاص من المعجزات المادية، وهذا يدخل في باب التشكيك في حكمة الله في إجراء المعجزات، وفكرة المؤلف في السؤال والشك المجرد عن الجواب، فرأيت أن أدرجها حيث يتحقق مراد المؤلف.

– بعض معجزاته صلى الله عليه وسلم حسي، وقد أيد القرآن تلك المعجزات، فهل معجزات القرآن بعضها تقليدي أيضاً؟!!

– من الحاكم في هذه المسألة؟!! المؤلف حاكم على الخطاب القرآني، أم الخطاب القرآني حاكم على البشر، ومنهم المؤلف؟!!

– تتمة الحديث الذي يتعمد المؤلف عدم ذكره هي: “مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ فَلَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا”. وهذه التتمة التي أغفلها المؤلف فيها أمران: الأمر الأول: أن الأمر بالسؤال ورد خاصاً بذلك المقام دون غيره، فما وجه تعميم المؤلف له؟!! الأمر الثاني: السؤال كان بهدف الإخبار، وليس سؤالاً مجرداً عن الجواب بهدف السؤال كما يرسخ المؤلف

– أما التحريفات في النص ستأتي تحت عنوان التحريف والتحوير.

صـ 106-107: “فالمجتمع الذي تعود أفراده على الشورى تدربوا عملياً على التساؤلات وعلى قبول الأجوبة، بل وقدسوا الأسئلة باعتبارها المحطة الإيمانية الأولى… أما عندما نفقد الشورى كسلوك حضاري، أي عندما تفقد القابلية للأسئلة، وعندما تجرد التساؤلات الإبراهيمية الخالدة من أبعادها الإيمانية الإنسانية، وتفقد الأسئلة قداستها… إن السلوك الاجتماعي الشوروي يستند أصلاً إلى أسس وركائز التساؤل والخطاب… فالشورى تستند مباشرة إلى التساؤل”.

– بدأ المؤلف بفيلم هندي جديد، وهو ربط الشورى بالأسئلة، ولا أدري ما علاقة الشورى بالأسئلة؟!! فالشورى هي آراء وحوارات، وقبول للآراء الأخرى، فأين الأسئلة في ذلك؟!!

– لقد وصلت الأسئلة والشكوك إلى مرتبة القداسة، وهذا تهويل عظيم جداً، ولا أدري ما هي النصوص الصريحة والقطعية التي تدل على قداسة الأسئلة؟!! فلم أجد في كل الكتاب غير الإيحاءات والتحريفات التي يريد المؤلف الوصول إلى مراده منها؛ ليسحر بها قلوبهم فيغطي عقولهم، وإن من البيان لسحراً!!!

– لقد أصبحت قداسة السؤال والشكوك عند المؤلف أعظم من قداسة الإيمان بالله، فيجب التشكيك بالإيمان بالله بالأسئلة، لكن المهم ألا نترك السؤال!!!

– ثم يتمادى المؤلف في أفكاره التي لا يسوق عليها أي دليل، فيجعل التساؤل أساس تستند عليه الشورى، ولا أدري ما الدليل على هذا أيضاً؟!!

صـ 109: ذكر مقولة عمر عن ابن عباس رضي الله عنهما: “إن له لساناً سؤولاً، وقلباً عقولاً”، ثم قال بعد كلام طويل كالعادة: “وبالنسبة إلى عمر: كان التساؤل هو المقياس الحقيقي. إنه مرة أخرى: المهم، ألا نكف عن التساؤل”.

لقد ركز المؤلف كثيراً على الشطر الأول من قول عمر رضي الله عنه بصورة ملفتة للانتباه!! في مقابل إغفال الشطر الثاني الذ هو الغاية، إذ لولا القلب العقول لم يتحقق المقصود، ولم يكن للسؤال قيمة.

صـ 117: “هذا الرشد لم يتأت إلا بالبحث والتساؤلات”.

هذا صحيح، لكن ليس بالشكوك التي يتعمد المؤلف الخلط بينها وبين البحث العلمي والتساؤلات العلمية، فسؤال التشكيك يختلف عن سؤال التحقق.

صـ 123: “ما إن يبدأ تعلمهم وفق طرق وأساليب المؤسسة التي تحتكر تعليم القرآن، فإن النسر والنمر والغزال والكناري يصيرون حيوانات محنطة معلقة على الحائط… فمنذ الخطوة الأولى يقولبون الطفل في قالب محدد… ومنذ البداية يكون التعليم هو محض حفظ… لا أسئلة في القرآن، سيصرخون. لا إشارات استفهام، سيؤكدون. سيحضرون معهم كتبهم ومعاجمهم بعد أن يمسحوا عنها الغبار ويملؤون أفواههم بأسماء الأصمعي والفراهيدي والكسائي… وسيدللون على كل ما يقولون ببيت شعري… وهدفهم واحد من كل ذلك أن يمسحوا إشارات الاستفهام أو يروضوها، أن يجمدوها، أن يحولوها إلى مجرد كلمات منسقة”. وبعد أن يحمد الله على أن تلك المؤسسة لم تكن موجودة في العقود الأولى يقول: وبدلاً من الاسترسال في الخيال لابدَّ أن نعمل على تغيير ذلك، حتى لا يتندر أحفادنا ذات يوم على أجدادهم”.

– ما هو المطلوب من هذا الكلام بالضبط؟!! هل يريد إلغاء الثوابت من الطرق التربوية حتى يكون الكفر راسخاً والإيمان بالله موضع شك؟!!

– هل المشكلة في القولبة أم في نوع القالب، ففي حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم “كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ”. فهل هذا أيضاً قالب محدد يجب تركه والابتعاد عنه والشك فيه، أم إن أم المؤمنين ونبينا كانا من المدرسة التقليدية؟!!

– لقد كان التعليم في بعض المراحل محض حفظ، ولكن في عصور الانحطاط فقط، فلم يكن كذلك منذ بداية التعليم، ولا في كل العصور. وهذا التعميم فيه ما فيه!!

– لم يقل أحد بنفي الأسئلة جملة وتفصيلاً، ولكن على عادة المؤلف في الافتراء على الخصوم ثم الطعن بهم استناداً لافترائه وادعائه.

– كأن المؤلف في هذا النص يطالبنا بمنهجية جديدة في البحث، وهي أن نفهم القرآن العربي بقوانين اللغات الأعجمية لا العربية.

– هنا يدعي أنها لم تكن موجودة في العقود الأولى، وسابقاً ادعى أنها نشأت بعد عهد الخلفاء، فأي المعلومتين هي الصحيحة؟!!

– الحقيقة أننا نحن لم نتندر بأجدادنا ومن سبقنا، فأحفادنا لن يتندروا بنا. ولكن المؤلف تندر، فسوف يتندر أحفاده على جهله باللغة وأصول البحث والاستنباط.

صـ 125: “فإذا كان التساؤل معول هدم للعالم القديم… فبديهي أنه يحتاج إلى ما هو أكثر من معول الهدم، فضمن إطار البناء تتضح أهمية الهدم، فهذا الهدم الذي قوامه التساؤل والشك”.

– هذا ما يأمله المؤلف من كتابه؛ أن يهدم كل أفكار الإسلام بالشكوك، لكن هذا لن يتحقق، فالدين محفوظ بحفظ الله له.

– المؤلف هو الذي يهدم ويحاول أن يبني ما يشاء، ويدعي أن القرآن هو الذي يهدم.

= وأرجو من المؤلف في نهاية الكلام عن التساؤل ألا يحمل أسئلتي على الاستهزاء والإنكار والسخرية، فهذا تحريف لها عن مقصودها ودلالتها العظيمة التي ستفتح له آفاقاً رحبة وواسعة، فلا يمكن لأفكاره أن تنضج إلا بعد هدمها بالشك فيها…

فاللغة ليس فيها إلا استفهام واستعلام، ولا يوجد فيها جمل خبرية أبداً، والمؤلف أحق أن نشك فيه وفي علمه وفي كتابه وفي مؤلف كتابه.

صـ 131: “ويؤدي ذلك التغيير إلى تغيير أكبر يهز مكرسات العالم القديم، العالم كله”.

صـ 135: أثناء سوقه الأدلة لإثبات المادية الوجودية أورد المؤلف هذا النص: { أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: 8].

– إن “التماهي” مع الغي والأهواء لابد وأن يفتضح أمره مع أول إدراج تلقائي لنص من غير النصوص المنتقاة بعناية. فكلمة الـ{ شَكٍّ } في هذه الآية تدمر كل ما بناه المؤلف في العنص السابق من العناصر التي يدعي المؤلف أنها أساسية في الخطاب القرآني.

– هذا الانتقاء الحذر من النصوص جعل ردي على الكتاب في غاية السهولة واليسر، فكلام المؤلف واستدلالاته ينقض بعضها بعضاً، وبالأخص كونه يجمع عقائد وأفكار غير متجانسة (كما يتهم المؤسسة التقليدة)، بل ومتناقضة أيضاً، يجمعها كلها على صعيد واحد.

– يكفيني أن يحشد النصوص ليثبت كلامه – وهو لا يفعل إلا نادراً – لنرى مقدار التدليس المتعمد على الناس في حشد الأدلة الموجهة. هذا الانتقاء الحذر خفف عني عناء البحث عن الأدلة والنصوص لنقض كلامه، فما إن أتجاوز بضع صفحات حتى أراه قد استدل بنص صغير قطعي ينسف كل ما حشد له عشرات الصفحات في إثباته. فالاستشهاد بالآيات يجعل أول كلامه ينكر آخره، وآخره ينكر أوله. وهذا لسببين: الأول: أنه لم يقصد الوصول إلى الحقيقة، وإنما قصد خدمة الأهواء، وليس فقط هواه هو. والسبب الثاني: أن القرآن كتاب الله الخالق الذي تعهد هو بحفظه بكل أنواع الحفظ، وبالتالي سيعجز أي مخلوق عن تحريفه؛ لا تحريفاً نصياً، ولا تحريفاً معنوياً، لا المؤسسة التقليدية، ولا المؤلف!! فليُعْلَم.

– أثناء البحث عن هذه الآية وجدت الآيات: { بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} [النمل: 66]، و{ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الدخان: 8-11].

صـ 149: “هو ذلك العقل الذي يرتكز على السببية… هناك سبب في كل شيء، ووراء كل شيء، وداخل كل شيء… والخطاب القرآني… جعله عقيدة دينية تبز بطابعها المقدس”.

– العقل الذي يرتكز على محور واحد – مهما كان – هو عقل وتفكير متحجر، لهذا جاءت الآيات بمعاني شمولية أولاً، ومتنوعة ثانياً، فقال: {لعلهم يعقلون}، {… يهتدون}، {… يتذكرون}، {… يتفكرون}. بينما المؤلف اختار فقط العقل، واختار من العقل فقط الربط، واختار من الربط فقط الربط بين الأسباب والمسببات، واختار من الأسباب والمسببات فقط المادية!!!

– كل شيء كل شيء!!! هكذا رأي المؤلف، وهو تعميم مكرر ومركز، فيدخل في ذلك الذات الإلهية، وغير ذلك مما نعلمه ولا نعلمه، ومما هو داخل في مقدور العقل إدراكه وما لا يدخل في تحت تصور العقل.

– إن التفكير بالسبب في كل شيء دعوة للشك في كل شيء لم نعرف سببه.

– هذه التحريفات والاستنباطات البعيدة جداً هل تجعل من هذه الأفكار والآراء التي يراها المؤلف فقط عقيدة دينية ذات قيمة عظيمة مقدسة يهتز الدين بتركها؟!!

صـ 160-162: “تقنية السلوك البشري وفهمه أساس مرتبط بشكل مباشر (بالتغيير) الاجتماعي، الذي هو هدف الخطاب القرآني الأصلي… والخطاب القرآني الذي يصر في كل آية من آياته على التغيير، يمازج هذا من ثلاث دوائر متداخلة: الفرد، والمجتمع، والطبيعة… إنها مرتبطة بآصرةٍ أساسيةٌ فيها الأسبابُ، [وهي] جوهر العقل… وإذا كان العقل حسب المفهوم القرآني قد تأسس في مجال الطبيعة وعلاقاتها، فإن فاعليته تمتد لتشمل مجالات أخرى: المجتمع والفرد”.

– في صـ 157 كان الإنسان الوسيلة والهدف معاً، ثم الحضارة، وهنا التغيير الاجتماعي.

– التغيير الاجتماعي، وليس الإصلاح الاجتماعي.

– والتغيير عند المؤلف هدف، ولو كان الاتجاه السابق أو المنهج صواباً، فيجب تغييره.

– التغيير لهذه الثلاثة عند المؤلف مجرد التغيير تبعاً للأسباب والمسببات وبعيداً عن النص.

– إذا رجعنا إلى النصوص – التي لا يعترف بها المؤلف ولا بأسبابها ومسبباتها إلا بما ينتقيه – وجدنا أن الرابطة الأساسية هي الإصلاح، وتبدأ بإصلاح القلب: “أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ” [متفق عليه]، وإذا صلح الإنسان صلح المجتمع: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، وإذا صلح المجتمع طرح الله البركة في الأرض: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة: 66]، أي: أقاموا شرع الله في المجتمع. وهذه قاعدة غير مادية، فلا يعترف بها المؤلف.

– وانظروا في النهاية كيف أنه يبدأ من الطبيعة والمادة ليصل أخيراً إلى الفرد، فالطبيعة تشكل الفرد، وليس الفرد الذي يشكل العالم.

.

التحريف والتحوير:

صـ 23: يشرح قوله صلى الله عليه وسلم: “ما أنا بقارئ” في حادثة الغار بقوله: “فكان يعلم أنها تتجاوز حدود القراءة الاعتيادية إلى أفق غير منظور، فهو ينكر الطلب”.

فهو صلى الله عليه وسلم ينكر قدرته على القراءة لأنه أمي، ولا ينكر الطلب.

صـ 85: “لقد تبدلت صور فرح الإنسان بمنيه عبر العصور والمجتمعات، لكنها بقيت موجودة. الفخر العربي الجاهلي بالبنين لا يزال موجوداً إلى حد بعيد”.

ينتقد المؤلف تأويل النصوص وتحوير معانيها وتحريفها. وهو هنا يخرج عن مضمون النص في ذات المني، إلى التفاخر بالبنين أو الخوف من الإنجاب، الذي لم تأت الآية على ذكره.

صـ 101-102: “وفي رواية إنه كان يبكي بحيث غطى رأسه بلحافه… فيسأل الرسول صلى الله عليه وسلم من أبواه؟”.

– هذه الرواية التي يدعيها المؤلف غير موجودة أبداً!!

– هذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب غضباً شديداً لأنهم يكثرون من سؤاله، فصعد المنبر ونهاهم عن كثرة السؤال!! وهذا فيه نقض كامل لفكرة المؤلف، فلماذا تعمد التزييف والتحريف والتحوير؟!! فهذا من الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.

– لم يسأل من أبواه، ولكنه سأل من أبوه!!

صـ 103: قال في سبب نزول قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المعارج: 24-25]: “فقد دأب المنافقون بعدها أن يسألوا استهزاء. فيقول من ضلت ناقته: أين ناقتي؟…”.

– هذه الحادثة ليست بعد حادثة سؤال عبد الله بن حذافة عن أبيه زمنياً، فما وجه قوله: “بعدها”؟!! ودا دليله على ذلك؟!!

– البخاري ذكر للآية سببا نزول، فلماذا اقتصر على واحد فقط، فهل يؤخذ الدين بالانتقاء والتشهي؟!!

– سبب النزول الآخر عن الذي يسأل عن أبيه، ولم يدرجه المؤلف لأنه يتعارض مع فكرة السؤال التي استشهد عليها المؤلف بسؤال عبد الله بن حذافة عن أبيه؟!!

– جميع روايات سبب نزول الآية وصفت الصحابة السائلين بالمخطئين، وأن الآية نزلت في تصحيح الخطأ. فما وجه وصفهم بالمنافقين؟!! وما دليل بيانه لغايتهم من السؤال (الاستهزاء)؟!! أم إن جميع أفعال الصحابة تحمل على هذا الوجه عند المؤلف، بينما توصف أفعال وأقوال بني إسرائيل على أنها حضارة وتاريخ!!

صـ 103: يفسر قوله تعالى: { وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}بقوله: “السياق يخرجها عن مفهوم التسول التقليدي إلى مفهوم السؤال الشامل”.

– صدق المؤلف في هذا من حيث أن السؤال الشامل الذي يدعو إليه المؤلف هو تسول غير تقليدي!! وهو الذي نهت عنه الآيات والأحاديث؛ الآيات في قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المعارج: 24-25]، وسيرد سبب نزولها لاحقاً في هذا الرد، والحديث قوله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاثًا قِيلَ وَقَالَ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ” [متفق عليه].

– هذا التحوير للنصوص ومعانيها هو ذات التفسير الباطني والإشاري في أسوأ حالاته.

– هل يعني كلام المؤلف أن كل من سألنا سؤالاً فيجب علينا أن نعطيه من أموالنا؟!!

صـ 105: يقول عن حديث: ” لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ”: “لا يشبه الصورة التقليدية للمتسول الذي يطرق الأبواب مستجدياً لقمة الخبز. بل هو يشبه الثائر…”.

– إذا كان مقصود الحديث السؤال الذي تقابله الإجابة، فهذا الحديث يبطل استدلالات المؤلف حينما أثبت له حق الإجابة التي يتهرب منها المؤلف وهو يقول: إن السؤال للسؤال وليس للحصول على الإجابة!!

– وإن كان مقصود السؤال سؤال المال، فهو يبطل استدلال المؤلف من وجهين: الأول: أن الحديث خارج الموضوع تماماً، والثاني: أن الحديث ينهى عن سوء الظن الذي حاول أن يحشو المؤلف به رؤوسنا!! فلعله فقير استعار فرساً من جاره لشدة حاجته واضطراره العاجل حتى يسرع في طلب حاجته من الناس لعل أحدهم يقضي حاجته!!

– ما وجه الاستدلال في صرف المعنى من سؤال المال إلى السؤال الذي يقابله جواب في كونه قادم على فرس؟!!

– هل قدومه على فرس يجعله ثائراً؟!! فما وجه هذا الوصف أيضاً؟!!

– هو هنا يشبه الثائر، ثم عما قريب لعله يجعله ثائراً حقيقة!! هذا منهج المؤلف في دس الشبهات، ثم في جعلها في حكم المسلمات!!

صـ 119: ينقل المؤلف كلام السيوطي في استحالة الشك بالله في حق إبراهيم، ثم يحذف المؤلف جزءاً من نصه ويضع مكانه هذا الرمز: “(..)”. ثم أدرج بعد ذلك نقولاً لعدد من العلماء.

– ما حذفه المؤلف من نص السيوطي هو شواهد العربية في استحالة شك إبراهيم عليه السلام بالله. لكن من عادة المؤلف أن يحذف أدلة المخالفين له للأمانة العلمية!! لا كما يفعل أتباع المدرسة التقليدية من إدراج جميع الأقوال!!

– لقد اختار واجتزأ المؤلف في هذه الصفحة وما عبدها من نقول العلماء ما يوافق رأيه، وحذف كل ما يخالفه في تلك النقول التي أدرجها.

– النقول عن العلماء آراء، وليس محجوراً على العلماء أن يبدوا آراءهم فيما تعلموه وأتقنوه، وإنما الحجر قد يرد على من ليست لديه الأهلية؛ كالجهال والمتفيهقون. فصنعة العلم والبحث ودراسة النصوص أولى بالحماية والحفظ من مهن الطب والهندسة وغيرها دخول الجهال والدُخَلاء فيها. فهذه في شأن الدنيا، وتلك في شأن الآخرة، وهذه فيها هلاك نفس واحدة أو عشرة، وتلك فيها هلاك الناس جميعاً، وهذه علومها محدودة محصورة، وتلك بحر واسع لا حدود له.

صـ 119: “قال ابن عباس: هذا لما يعرض في الصدور ويوسوس به الشيطان، فرضي الله من إبراهيم عليه السلام بأن قال: بلى”.

– كلام ابن عباس تجب دراسة سنده لنبني عليه، فقد افترت الفرق الضالة على لسانه كثيراً.

– من ناحية المتن فهو رأي كباقي الآراء، وليس نصاً، فهل يريد المؤلف أن نغلق عقولنا ونأخذ به دون تفكير. إذ حتى النصوص يجب أن نفهمها ونفكر فيها ونقارنها مع غيرها. أم يجب أن نأخذ ما يوافق رأي المؤلف على عواهنه ولو كان كلام شارون، ويجب علينا أن نشكك في النصوص؟!!

– قول ابن عباس يفيد أن هذا الكلام من وساوس الشيطان، وعليه فإن تفسير المؤلف للنص بالشك في الله من وساوس الشيطان، فهل ابن عباس من المدرسة التقليدية أيضاً؟!!

– بدأ المؤلف بنقل عن ابن عباس، ثم سيجتزئ هذا النقل لاحقاً، ثم يجعله من المسلمات، ثم يبني عليه نتائجه الفظيعة، ليفعل ما يتهم به غيره.

صـ 120: “كما روى بعض من لا يذكرون عن ابن التين”. ثم أورد بعده نقلاً للقرطبي المفسر.

– العبارة الأولى محرفة، ونصها: “وحكى ابن التين عن بعض من لا تحصيل عنده”. فانظر كيف حرف النقل ثم اتهم المدرسة التقليدية أنه من قولها!!

– حذف المؤلف من نقل القرطبي نصوصاً طويلة من ثلاثة مواضع، دون أن يشير لموضع الحذف ليوهم أنه نص متصل ببعضه، وكلها فيها حشد لأدلة كثيرة تنقض كلام المؤلف. وفي بعض المواضع حذف كلمة أو كلمتين لأنها تنسف رأيه!!

– مما حذفه ما يلي: عبارة “بكثرة الأدلة” من جملة “أراد طمأنينة النفس بكثرة الأدلة”، وحذف سبب مقولة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي رد قول بعض الناس: شك إبراهيم، وحذف الكلام عن أن الإيمان يكفي فيه الإجمال، وكذا الكلام عن رسوخ الإيمان.

– لقد أضاف كلمة “أحق” بعد كلمة “أفعل” في عبارة: “وحكى بعض علماء العربية أن أفعل ربما جاءت لتنفي المعنى عن الشيئين”.

صـ 144-146: يقول مفسراً لفظة “العقل” الواردة في كثير من آيات القرآن فيقول: “وسمي العقل عقلاً، لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك، أي يحبسه…العقل في الجزيرة: مروءة وكرم وصفة أخلاقية تمنع صاحبها عن المهالك – مثل الحلم – سيد الأخلاق… إن غياب مصدر الفعل… يعني تغييباً للفهم السائد آنذاك للعقل حالة أخلاقية شعورية، واستخدام الجذر هو تأصيل لفكرة جديدة… فإن مفهوم العقل كما قدمه علم الكلام أو الفلسفة الإسلامية بعيد كل البعد عمّا نقصده… فما قدمه علم الكلام هو ترجمة إسلامية للّوغوس اليوناني، وسواء كانت هذه الترجمة أو القراءة موافقة للنهج القرآني أو مخالفة لها… والمعنى الأصلي للجذر (عقل) مشتق من عقل البعير، ربطه، وكل المعاني السابقة الذكر هي تنويعات وإضافة على هذا المعنى… لكن الخطاب القرلآني الذي تجنب تماماً كلمة عقل مصدراً… استخدم بدلاً عن ذلك الجذر الأصلي لإعطاء المعنى الأصلي”.

– سبب التسمية ليس جزءاً من معنى الكلمة، والمؤلف جعله جزءاً منه، ثم بدأ الطعن بالمعنى الذي افتراه، والطعن بالقائلين المتوهمين له!! وهو في الصفحات التالية يكرر هذه الجملة المفتراة وينتقص منها، ويبني مع كل تكرار المعنى الذي يريد ترسيخه!! بل ويبني قضايا جوهرية في نظره، ثم يعدها ركناً جوهرياً من أركان الدين قد حُرِّف وضُيِّع!!

– التعريف في أول كلامه لم يقله أحد؛ لا علماء اللغة ولا حتى علماء الكلام والفلسفة، ولا علماء المدرسة التقليدية كما يسميها. ثم بنى على هذا الدس والتحريف كل نتائجه اللاحقة.

– العقل ليس خلقاً يتخلق به الإنسان كما يحاول المؤلف أن يرسخ، ولكنه ملكة أو قوة باطنة تحصل فيها الإدراكات أو أنواع القدرات الذهنية التي ذكرها علماء اللغة وغيرهم.

– الإسلام في مصطلحاته اللغوية البحتة لا يشرح ولا يناقش ولا ينقض آراء دنيوية للحضارات الوثنية أو غيرها، لكنه يقرر الحقائق باللغة العربية ومفاهيمها. وتبقى مسألة مقارنة ومناقشة المصطلح الواحد عبر اللغات المتعددة قضية اجتهادية تتعلق بكل باحث واجتهاداته ونظره وفهمه للأمور.

– الإسلام لم يذكر العقل بصيغة المصدر حتى لا يلتبس بالاسم، فالإسلام لا يقر وجود العقل المادي الذي يسميه الناس الدماغ، وقد أيد العلم والأبحاث الحديثة هذا المفهوم للعقل.

– إفادة الجذر للمعنى الأصلي لم يقل بها أحد من علماء اللغة، بل لم يقل بها أحد من العلماء!! والمؤلف هنا ينتقد المعنى الذي افتراه على لسان أهل اللغة، وينتقد الرجوع لكتب اللغة، وينصف نفسه عالماً في اللغة، بل وحكماً عليها!!

– ما الداعي لترك الاشتقاق والتمسك بالجذر مع بطلان قوله بإفادة المعنى الأصلي؟!! ثم ما الداعي للتمسك بالمعنى الأصلي؟!! ثم إذا تمسكنا بالمعنى الأصلي فما الداعي لإقحام الخُلُق في معنى العقل؟!! ثم ما الداعي للخروج مرة أخرى من المعنى الذي أقحمه المؤلف إلى المعنى الأصلي؟!! هل عبث بالقارئ، أم إدخاله في عقدة حتى يدوخ، ليكون هو الوحيد الذي يخرجه منها حيث يريد؟!!

– الخلاصة: هل هو ربط مادي مجرد عن الإدراك، أم هو ربط معنوي ذهني، أم هو ربط أخلاقي، والمهم أن يكون بعيداً عن الإدراك، ليربط المؤلف القراء بمدركاته هو وحده دون غيره، وحيث يريد هو دون أن يحرك القارئ مدركاته!!!

– الغاية الحقيقية للمؤلف من ذلك تظهر صـ 148، وهي قصر المعنى على الربط المجرد دون أي إدراك أو تحريك للعقل، أي ربط الأسباب بالمسببات بعيداً عن المسبب الرباني. وسأجعل الرد عليها في عنوان الرد على دعوته للمادية، فهناك موضع بحثها. فقد اقتصرت هنا على أسلوبه في التحريف والتحوير فقط.

صـ 151-152: ذكر لفظ “العقل” عدة مرات في هذه الصفحة ثم قال: “هذه الاستعمالات لا تلغي المعنى الأصلي للجذر… معنى الربط، لكنها توسعه ليصير قريباً من الفهم والإدراك والوعي والاستقراء، وكلها معانٍ تتدرج من الربط (العقل) بطريقة أو بأخرى”.

– لفظ “العقل” الذي كرره المؤلف هل هو بالمصدر أم بالاسم؟!!

– الشواهد التي أوردها المؤلف لم ترد بمعنى الربط إلا في نص واحد، أما الباقي إذا استبدلنا كلمة “العقل” بكلمة “الربط” فيها، والتي هي مرادفة لها في رأس المؤلف، لأصبحت النصوص موضع للضحك والسخرية، فشواهده تنسف وتنقض كل كلامه السابق.

– كلامه عن المعاني الأخرى للعقل ينقض كل كلامه السابق وتخصيصاته المجحفة. ثم ما وجه التدرج بين تلك المعاني؟!!

صـ 161-162: في هاتين الصفحتين يلخص ما قاله عن الأسباب، فيجمع تحريفاته وتحويراته وعبثه بالنصوص في صفحتين، فتظهر بوضوح أكبر إذا قرأتها بدقة، وفيما يلي تلك العبارات: “التركيز على لفظة الأسباب واتباعها… معنى قريب من المفهوم الذي نقصده… يربط الأسباب بموضوع مادي… لا يدع مجالاً للتأويل… طرح جديد لمصطلح العقل… يرفض الطرح… المستعمل في اللغة العربية القديمة… جذر الكلمة… الربط… ربط بين الأسباب والمسببات، خصوصاً في الطبيعة… ربما”.

صـ 164: “كل المعاجم اللغوية وضعت بعد فترة طويلة من استقرار المفاهيم وتكريسها، بطريقة جعلت اختيار المعاني والجذور يكون مناسباً إلى حد بعيد إلى المفهوم السائد للكلمة في العصر بعينه، خاصة عندما تكون الكلمة قليلة التداول في كلام العرب وأشعارهم وأمثالهم… فلنتنبه هنا إلى ربط الخيول بالثريا، وهو التفسير الذي قدمه كعب الأحبار لأسباب ذي القرنين… فالسبب لغوياً هو مجرد واسطة… دون أن يكون له تأثير حقيقي إيجابي مستقل عن الشيء المتوصل إليه. إنه مجرد حبل”.

– وضع المؤلف هنا مبرراً لوضع قاموس خاص به، وهذا المبرر هو أن اللغة محرفة وتم العبث بها، وبالتالي يمكنه أن يبدأ بالتحريف على هواه تبعاً لذلك، فما عبث به ملايين البشر من قبل، لا يؤثر فيه ولا يضره عبث مؤلفنا المصون!!

– الكلمات لا يؤخذ معناها من المفهوم السائد، بل من كلام العرب قليلاً كان أو كثيراً.

– لا توجد كلمة قليلة التداول؛ لأن المخزون الشعري والنثري ضخم جداً ومهول، وما حفظه إلا رغبة العلماء في حفظ اللغة التي يدعي المؤلف تحريفها والعبث بها.

– لو فرضنا صحة ادعاء قلة التداول، فإن قلة التداول لا تغير المعنى من جهة، كما أن القرآن لا يستحدث كلمات ليس لها وجود من جهة أخرى.

– ولم يتبق لنا من خلال السبر والتقسيم إلا المعاني الجديدة التي تحدثها الشريعة لكلمات قديمة (المصطلحات كالصلاة وغيرها)، فإن الشرع ينص على المعنى الجديد، فلا مجال للعبث هنا أيضاً.

– ولننظر إلى تعميم قول كعب الأحبار على عموم الأمة، ثم سخريته واستهزاؤه بسخافة تفكير هذه المؤسسة!! هذا إن صحت نسبة القول لكعب الأحبار، كما سبق تفصيل ذلك.

– النقد عند المؤلف يأخذ غالباً الصورة الاستهزائية، فلو استشهد معه بقليل من كلام العرب لإبطاله علمياً لكان أفضل، أو حتى بأقوال السياسين الغربيين إن لم يكن كلام العرب حجة عند المؤلف، كشكسبير الإنجليزي، أو فرنسوا ميترا الفرنسي، أو بوش الأمريكي بنسختيه القديمة والحديثة. فهذا خير من السخرية وانتقاص الآخرين.

– كون السبب مجرد حبل لم يقل به أحد، ولكنها إضافة من المؤلف لتحقيق الإثارة في انتقاص الآخر.

– كل كلمة في أي لغة لها معاني ومضامين ودلالات، وقد أضاف المؤلف على معنى المعجم أربعة معاني يقول: إنها زائدة على ما أعطاه اللغويون، وهي: التأثير، الحقيقي، الإيجابي، المستقل، فما دليله على هذه المعاني والمضامين والدلالات الزائدة؟!!

– .

الدعوة للمادية:

صـ 132: يقول مستشهداً بسورة الكهف: “سبب هذا التفوق العلمي… كان عائداً بحسب التعبير القرآني الأكثر دقة إلى (اتباع الأسباب). واتباع الأسباب هو تعبير أكثر عمقاً من البحث عنها. فالاتباع يوحي بالغوص العميق في جوهر الأشياء بحثاً عن أسرارها ومكنوناتها، يوحي بالذهاب معها حيث تقود الحقيقة… هو الانقياد لمعطيات الحقيقة… لكن الخطاب القرآني يزيل الأسطورة ويحطم الخرافة ويجعل من هذا الوثن رجلاً وصل إلى ما وصل إليه عبر اتباع الأسباب فقط.. اتباع الأسباب ولا غير.. وبإصرار وتوكيد”.

– بدأ كلامه بتحريف النص، فالنص { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 89، 92] بتخفيف أتبع، ولم يقل: اتَّبَعَ، وهو سبب واحد، وليس كل الأسباب. وهذا تحريف للفظ الآية يتبعه تحريف للمعنى.

– اتباع الشيء هو السير على خطاه من غير فهم ولا تفكير، على خلاف ما ذكر المؤلف.

– غاية هذا المبحث هي البحث عن الأسرار والرموز، وترك الحقائق الصريحة الواضحة.

– تعريفه لاتباع الأسباب بأنه “الذهاب معها حيثما تقود الحقيقة غير صحيح”، فكلمة “الحقيقة” زيادة من المؤلف لا يفيدها معنى الاتباع؛ لأن الأسباب لا يمكن اتباعها على جهة الحقيقة، وإنما نقول اتبع الأسباب والمسببات على جهة المجاز الذي ينكره المؤلف، فالأسباب تفهم وتدرك ويًعْمَل بفحواها لا بذاتها.

– اتباع الأسباب الذي تفيده اللغة هو الانقياد للمعطيات سواء أكانت حقاً أم باطلاً. وهذا ما يسمونه اليوم التعاطي مع معطيات الواقع والانسياق مع عمليات السلام والتطبيع وغيرها؛ لأن إسرائيل أصبحت واقعاً لا يمكن إنكاره، وقوتها وضعفنا واقع يجب علينا التعاطي معه، ويوجب علينا التعايش مع هذا الواقع.

– الحاصل أن المؤلف يدعو للمتناقضات في وقت واحد، وهذا تشويش سواء أكان متعمداً أم عفوياً.

– هذا العبث بالألفاظ نتيجته العبارة الأخيرة، فقد أصبحت هنا نصاً مقدساً لا يجوز خرقه أو الانتقاص منه أو التشكيك فيه، وكل ما سيأتي ذكره في هذا المبحث مبني على هذه العبارة: “اتباع الأسباب فقط لا غير وبإصرار”.

صـ 133: “تقنيات التعدين هي الإقرار بوجود خواص وطبائع لهذه المواد. خواص نابعة عنها، لصيقة بها، خواص مؤثرة وثابتة”.

– إنها خواص لصيقة بها، ومؤثرة، لكنها ليست نابعة عنها، بل عن جعل الله لها كذلك، وتلك الخواص ليست ثابتة بذاتها، بل بجعل الله لها كذلك. والأدلة على ذلك كثيرة جداً؛ كالنار التي صارت برداً وسلاماً على إبراهيم، والماء الذي تحجر كالجدار لموسى، والطير التي أمسكت الحجر الملتهب، والحجر الذي اخترق الفيلة من ظهرها إلى بطنها، ووو.

يحلو للمؤلف ربط المادة بالطبيعة وبالمادة نفسها، وإبعادها قدر المستطاع عن الله الخالق الذي أوجد الأسباب والمسببات من العدم.

صـ 134: “وهو نزاع انتهى بنفي الطبائع والخواص بزعم أن إثباتها يؤدي إلى الشرك!! وبدعوى أن ما نتوهمه من طبائع هو مجرد عادة ليست واجبة، ولا تتعلق بالمادة نفسها. ولقد أدى هذا النفي إلى إبطال السببية… وبصراحة جارحة نتعجب لها اليوم: كيف أن الحضارة التي أبدعت… هي نفسها التي نظر مفكروها وعلماؤها وجادلوا في اجتثاث وقتل فكرة السببية؟… بغض النظر عن الأسماء اللامعة والألقاب الرنانة للعلماء الذين تبنوا فكرة إلغاء السببية”.

– وصف ذلك بالشرك لم يقل له أحد من العلماء، وهو من عادة المؤلف في الافتراء على الخصم للطعن فيه.

– أما كونها عادة ليست واجبة فهو ما قال به العلماء، فانظروا كيف يخلط الأقوال، ويخلط الحق بالباطل ليصل إلى مبتغاه.

– الذي يبطل السببية إما ملحد؛ لأنه حينئذ ينكر أن وجود الله هو سبب وجود هذا الكون، أو غبي جاهل لم يقرأ شيئاً من العلوم.

– رد المؤلف على نفسه بنفسه في الجملة الأخيرة، فتعجبه هذا يدل على أنهم لم ينفوا أبداً السببية، عدا عن أن ينفوها مطلقاً.

– كل ما قال به العلماء هو ربطها بالله خالقها الذي أوجد هذه السببية، فإن شاء بقيت على ما وضعها هو عليه، وإن شاء تتخلف وتتبدل، وسيحصل ما يشاءه عز وجل: { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]، وقد تكررت بذات المعنى في سبعة مواضع أخرى من القرآن.

– رأي المؤلف هنا هو العودة لكلام المناطقة قبل الإسلام والماديين، وهو أن السببية تأثيرها مادي وليس رباني، ولهذا يسمون دلالتها طبيعية، وتأثيرها كله من عمل الطبيعة، أما المتكلمين بعد الإسلام وعلماء أصول الفقه فيقولون إن دلالتها وضعية، لكنها من وضع الله عز وجل.

_ على عادته في كل مرة يطمس فيها حقيقة كبيرة لا يريد من القارئ أن يطلع عليها، فهو يكرر عبارته المألوفة: “بغض النظر عن”، وحينئذ يجب أن تتأكد أن بعدها حقيقة كالشمس يريد أن يخفيها!!

– ويختم المؤلف كلامه بجعل افترائه على العلماء من المسلمات التي سيبني عليها نتائج لاحقة.

صـ 135: “والارتقاء قد يكون نزولاً في طبقات الأرض أو صعوداً… ولكن حذار من تصور الأسباب… مسخرة في الخطاب القرآني… بهدف أن نطلق صيحة سبحان الله وآهة وتنهيدة ذهول نسلِّم بعدها بالتوحيد والإقرار”.

– لو سلمنا صحة هذا المعنى، لكان المعنى: الارتقاء في أسباب الصعود (أو النزول على رأي المؤلف)، فإن المعنى حينئذ: إثبات عجز أسبابهم حتى يرتقوا ويختاروا التنزيل أو الرسول، عدا عن أن يكون لهم ملك السماوات والأرض.

– إن عممنا أكثر وجعلناه الارتقاء في أسباب العلم، لكان المعنى: ارتقوا في أسباب العلم حتى يثبت لكم قدرة الله وعجزكم، وعلمه وجهلكم، فتؤمنوا بالله، وعليه فالمعنى والمقصود واحد. وإلا فما معنى الارتقاء في أسباب العلم مع بقائهم على كفرهم؟!! وما الرابط بين الآيات حينئذ؟!!

– لكن ما يسعى إليه المؤلف هو البحث عن الأسباب المادية والمادية فقط، والبحث لذات الأسباب، كما كان السؤال لذات السؤال من قبل. ولذلك بدأ في توجيه النصائح والتحذير من الاستدلال بالأسباب على التوحيد والإقرار!! مع أننا لم نسلم له بفكرته الأولى ليبني عليها نصائحه وتحذيراته!!

– الحظوا فالهدف ليس توحيد الله وعبادته، وإنما يأتي ذلك ضمناً بشكل عرضي كما ذكر المؤلف لاحقاً!! مع أن الأسباب تقول: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].

صـ 137: “الذكر الأقوى للأسباب في ميدانها الأصلي حيث يجب أن تكون: (الطبيعة)… وقد مر… أن الجواب الإلهي عن تساؤل إبراهيم… وطلب موسى… كان عبر الطبيعة”.

– الأسباب والمسببات موجودة في كل شيء؛ في الطبيعة، والملائكة، والإنس، والجن، والجنة والنار اللتان تتعلق أسباب نعيمهما وعقابهما على مسببات أعمال البشر. وباختصار هي موجودة في كل المخلوقات.

– الجواب الإلهي كان مغايراً لما سألا عليهما السلام، وهذا يدل على أن الجواب لا يقصد بيان أسباب الطبيعة المادية الوجودية، ولكن المقصود بيان مسبب الأسباب سبحانه، وهذا ما يتهرب منه المؤلف.

– هل يتوقع المؤلف أن يُرِي اللهُ إبراهيمَ موت ملاك أو جني أو مخلوق غريب ثم عودته للحياة، أو أن يتجلى الله لمخلوق لا يعلمه موسى غير الجبل، فينشغلان بغرابتها عن الغاية، وهي عظمة الله ووجوده… هل من المفترض أن يحصل هذا حتى يقتنع المؤلف أن الأسباب والمسببات ليست قاصرة على الطبيعة، وأن علاقتها الجوهرية ليست مادية، وإنما علاقتها بموجدها وخالقها؟!!

صـ 138-141: “والطبيعة تحتل حيزاً واسعاً جداً من الخطاب القرآني… إنه عالم الأسباب والمسببات هو ذاك العالم الذي يتفتح وعي الفرد المسلم عليه”، ثم يورد المؤلف عدداً كبيراً من الآيات عن عظمة مخلوقات الله.

– هل يتوقع المؤلف أن يدلل القرآن على وجود الله وعظمته بالتفكر والتدبر في المريخ الذي لا يرونه ولا يعرفونه مثلاً؟!! وكذا مخلوقاته باقي مخلوقاته الكونية، وكيف تدور الأقمار حول زحل، ويترك ما حول البشر من مخلوقات الله.

– شيء طبيعي أن يحتل الأمر بالتفكر بالطبيعة حيزاً واسعاً في الخطاب القرآني؛ لأنها محيطة بالبشر، لكن الطبيعة ليست من صميمية البناء القرآني، فليس المقصود عبادة الطبيعة، ولا التعلق بالأسباب وترك مسبب الأسباب كما يدعو المؤلف، ولكن المقصود عبادة الله وتوحيده.

– جميع الآيات التي أوردها المؤلف تؤكد على أن الله الخالق الواحد الأحد هو موجد تلك الأسباب والمسببات وخالقها، وأنه مسبب كل الأسباب، ولكن المؤلف يصر ويلح بشكل مريب أن الطبيعة هي أساس كل شيء!!

– الحظوا عودة الضمائر جميعاً إلى الله على أنه المسبب في جميع الآيات التي أوردها المؤلف: {وأرسلنا… فأنزلنا… فأسقيناكموه} [الحجر: 22]، {مددناها وألقينا… وأنبتنا} [الحجر: 19]، {خلقها} [النحل: 15]، {وألقى} [النحل: 15]، {والله أنزل} [النحل: 65]، {سبل ربكِ} [النحل: 69]، {وأنزلنا… فأسكناه… وإنا على ذهاب به لقادرون… فأنشأنا} [المؤمنون: 18-19]، {أن الله يزجي… ثم يؤلف… ثم يجعله… وينزل… فيصيب… ويصرفه} [النور: 43]، {وهو… وأنزلنا… لنحيي… ونسقيه… خلقنا} [الفرقان: 48-49]، {والله… أرسل… فسقيناه… فأحيينا} [فاطر: 9]، {الله أنزل… فأخرجنا… إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 27-28]، وهذه الآية كافية لنقض كلام المؤلف، فالعلماء هم الذين يربطون الأسباب والمسببات بخالقها، فيخشون الله؛ لأنهم يعلمون أن الإيمان سبب لدخول الجنة، والكفر سبب لدخول النار. {الله أنزل… فسلكه… ثم يُخرج… ثم يجعله} [الزمر: 21]، {ومن آياته… أنزلنا… إن الذي أحياها لمحيي الموتى، إنه على كل شيء قدير} [فصلت: 39]، {وما أنزل الله… فأحيا} [الجاثية: 5]، {الله الذي يرسل… فيبسطه… كيف يشاء ويجعله… فإذا أصاب به… رحمة الله كيف يحيي} [الروم: 48-50]، {أنا نسوق… فنخرج} [السجدة: 27]، {وهو الذي أنزل… فأخرجنا… فأخرجنا… نخرج} [الأنعام: 99]، {هو الذي جعل… وقدره… ما خلق الله ذلك إلا بالحق} [يونس: 5]، {هو الذي جعل} [يونس: 67]، {وهو الذي مد… وجعل… جعل} [الرعد: 3]، {الله الذي} [الرعد: 2]، {أنزل} [الرعد: 17]، {الله الذي خلق… وأنزل… فأخرج به… وسخر… وسخر} [إبراهيم: 32]، {ألم تر أن الله أنزل} [الحج: 63].

صـ 141-142: يعلق المؤلف على الآيات السابقة ليصل لنتيجته فيقول: “هذه هي الطبيعة في الخطاب القرآني… عالم متداخل من الأسباب والمسببات والغايات: السماء مرفوعة… بسبب قوي غير مرئي، والرياح تتسبب بالتلقيح… والحيوانات تكون سبباً للدفء والطعام. والجبال تتسبب في استقرار الأرض، والماء يتسبب في إحياء أرض موات، والدواء (العسل) يتسبب… عالم متشابك من العلاقات بين الظواهر الطبيعية واحدة تكون سبباً للأخرى في سلسلة لا متناهية… تُضَم جميعاً في بنية عليا هي الغايات والسنن الإلهية”.

– هذه ليست الطبيعة، بل هذه هي قدرة الله الذي خلق كل المخلوقات وأودع فيها أسبابها ومسبباتها، فهو خالق الماديات والمعنويات.

– لنا أن نقارن عبارات القرآن السابقة بعبارات المؤلف: “بسبب قوي غير مرئي… يتسبب… سبباً… يتجمع… يُنزل… المطر الذي يحيي… واحدة تكون سبباً للآخر”.

– إن الطبيعة بأسبابها ومسبباتها هي كل شيء في حياة المؤلف وفكره ووجدانه، أما العالم الإسلامي ومؤسساته التقليدية فقد انحرف عن مادية المؤلف، وجعلَ اللهَ كل شيء في حياته وفكره ووجدانه، بل أن المسلمين جعلوا الله مسبب الأسباب هداهم الله!!

– عبارته: “واحدة تكون سبباً للأخرى” يجب أن يسودها المؤلف لتكون واضحة وظاهرة للقراء.

– العبارة الأخيرة التي أجهد المؤلف نفسه كثيراً في كتابتها كتحصيل حاصل سينسفها لاحقاً، ولذلك آثرت أن أترك شرحه له مستقلاً في الرد لأعطيه حقه.

صـ 142: “الخطاب القرآني… يؤكد على الدول الإلهي الذي يمثل الخطة المسبقة للتفاعل كله، فكل الأسباب وتداخلاتها تعود في بداية الأمر إلى بدء الخليقة وتسلسلاتها المتداخلة. وكلها تعود – كتحصيل حاصل – إلى الفاعل الأول: الله… ويؤكد الخطاب القرآني – ضمن هذه السياقات – على الغاية الإلهية ويفصلها عن السبب والمسبب… فالمطر ينزل بوصفه مجموعة من أسباب متراكمة بعضها مع بعض… أما الغاية الإلهية من نزول المطر فهي إحياء الأرض الميتة، والغاية لا تكون سبباً أبداً، كما يصير السبب غاية… فالأسباب مرتبطة بواقع مادي محدد وبظروف وتداخلات متسلسلة مادية دوماً”.

– الفعل الإلهي كان في البداية فقط لا غير عند المؤلف.

– ما بعده مجرد سلسلة تفاعلات من الأسباب والمسببات متتابعة كتحصيل حاصل أعقب الخطة المسبقة، أي لا تأثير لله الخالق فيه.

– هذا الكلام جعلني في حيرة بين إدراجه في التشكيك بالله أم في الدعوة للمادية المجردة، لكنني آثرت ألا أقطع على القارئ متعة تسلسل الأفكار، وأن أحتفظ للمؤلف بحقه في بقاء كلامه حيث أراد أن تصل أفكاره في المادية الوجودية، وذلك للأمانة العلمية!!

– وبما أن الخطاب القرآني يفصل الغاية الإلهية عن السبب والمسبب المادي الطبيعي، فقد جعل الله نفسه مسبباً لكل سبب منها على حدة بضمير متصل، ولم يجعلها بضمير منفصل، وهكذا كرر الضمائر المتصلة بالأسباب حتى استغرقها جميعاً، وذلك ليتحقق الفصل التام الذي يدعيه المؤلف!!!!!!

– ثم يرسخ المؤلف فكرته ليدعي أن الأسباب مادية دوماً ليس لله تدخل فيها كما ذكر في العبارة الأخيرة، ودليله أن الغاية والسبب متضادان لا يجتمعان.

– لا يجتمعان عند المؤلف لأن الغاية الإلهية هي مُسَبَّب وليست سبباً!! وهذه المصطلحات والمفاهيم التي يحاول المؤلف ترسيخها – ولا دليل عليها لا من شرع ولا عقل – هو إخراج الخالق عن دائرة السببية إخراجاً كاملاً.

– الله عز وجل هو المسبب للسبب والمسبب والغاية، فقد يأمر الله فيحصل السبب والمسبب ولا تحصل الغاية.

صـ 143: “لكن هذه الأبعاد المجردة ترتبط به تعالى مباشرة: برحمته، بحكمته، بتدبيره”، ثم يورد قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، ثم يفسر كلمة يخشى فيقول: “الخشية هنا فهم حساس ودقيق للسنن الإلهية في تيسير الأمور، وفهم شامل للمقاصد الإلهية من وراء تلك السنن. والعلماء هنا هم من يسبرون أغوار الأسباب والسنن، ويربطونها بالمقاصد الإلهية”.

– هذه الأبعاد ترتبط أيضاً بخلقه سبحانه وإيجاده ووضعه وتصويره وإبداعه، وهذه كلها ينكرها المؤلف بفصله الأسباب عن المسببات التي يسميها غايات، وبفصل ذلك كله عن الله.

– كلام المؤلف يعني أن العلماء لا يستفيدون مزيد إيمان بما يكتشفونه، فهم مؤمنون بالمقاصد الإلهية، ودورهم قاصر على ربط تلك المقاصد بالأسباب والمسببات. فما مصدر الخشية حينئذ؟!! كأن المؤلف دخل نفقاً فأظلم عليه ولم يعد يهتدي لسبيل الخروج منه، فمجرد الربط اكتشاف لا يفيد إيماناً بعد كفر، ولا مزيد إيمان.

صـ 148: “فالآيات هنا حسب هذا السياق تذكر (العقل) بمعنى العلاقة، الربط بين الأشياء… الخطاب القرآني هو محض أداة للبحث عن الترابط بين الأشياء، بين الأسباب والمسببات، بين الظواهر والغايات، وبين مختلف هذه الظواهر وعلاقتها ببعضها… بعيداً عن مفاهيم العقل الكلي أو النوس Nous والتي تعامل العقل وتجعله بالنسبة للعالم بمنزلة النفس من الجسم، وهي النظرة التي تطورت بالتدريج لتجعل من العقل في النهاية بمثابة الله… فإن المفهوم الذي بذر بذرته الخطاب القرآني عن العقل مفهوم مختلف تماماً عن العقل الكلي الذي يحكم العالم ويقوم مقام الله… مضارع دوماً… وهو العقل الذي يربط فحسب… ولا علاقة له مطلقاً بالموروث الجاهلي الذي يعد العقل صفة أخلاقية تتمثل خدماتها في المنع والردع”.

– لو كان المراد هو الربط المجرد لاقتضى ذلك أمرين: الأول شرعي، وهو: لو كان المراد الربط المجرد لأتى النص به، فهو أدق وأوضح في بيان المعنى المجرد للربط، ولما احتاج لكل هذا التكلف من المؤلف، وبالأخص في هذه القضية الجوهرية كما يدعي المؤلف. الأمر الثاني لغوي، وهو: الترادف يقتضي استبدال المفردتين مع سلامة المعنى، لكننا إن فعلنا ذلك صارت الجملة لغواً لا معنى له: “أفلا تربطون”، “لعلكم تربطون”.

– “الخطاب القرآني هو محض أداة للبحث” هذا تحجيم للمعاني القرآنية بهدف خدمة فكر أو رأي شخصي خاص بالمؤلف.

– ثم ما وجه تخصيص الربط بنوع واحد من أنواع الربط، وهو ربط الأسباب بالمسببات؟!! فلعله ربط المخلوق الموجود بالخالق الموجِد، وليس المراد شيئاً مادياً.

– القول بأن العقل هو بمنزلة النفس من الجسم أقرب شيء للعلم الحديث، والذي أثبت أن العقل محله الروح التي بثها الله في الجسد، ولا يعلم عنها الإنسان شيئاً، وليس مستقراً في الدماغ أو الجمجمة. لكن المؤلف لا يقبل أي علم من العلوم الدنيوية والأخروية، وفي ذهنه شيء يريد تقريره، ولوي كل العلوم لتوافق رأيه.

– جعل العقل بمثابة الله لم يقل به أحد، فهو افتراء على العلماء سينتقصهم فيما بعد بسببه!! ثم إن كوننا لم نفهم فكرة أو لم نفهم نظرية، أو لم نفرق بين النظرية والقانون، لا يعني أن نهول أو نتهكم أو ننتقص من آراء الآخرين، ولو كانت الأفكار والآراء والنظريات غريبة، فالعلم علم، والآراء الاجتهادية الناتجة عن البحث محفوظة لأصحابها؛ سواء أصابت الحقيقة أم لا.

– حصرها بالجذر، ثم قيدها هنا بالمضارع!! فهل يأتي الجذر مضارعاً دائماً، أم هو مزيد تقييد وربط للمعنى ليوافق ذهن المؤلف؟!!

– المفردة وردت في السنة النبوية بصيغة الأمر والماضي، فلماذا التدليس؟!! أم هو قرآني لا يعمل بالسنة؟!! أم إن معاني المصطلحات في القرآن يختلف عن معناها في السنة؟!! بل إنها وردت في القرآن بصيغة الماضي في سورة البقرة: 75، فانتقض بذلك كلام المؤلف، بل ورد في آية أخرى بصيغة المضارع بمعنى الماضي في سورة الملك: 10: { وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}.

– ثم يختم بأنه يربط فحسب، وهذا تحجيم إضافي واضح للمعنى.

– المصطلح الدنيوي لا علاقة له بالجاهلية والإسلام، والعقل لا يتغير مفهومه عبر الزمن، وقد جاء في الحديث: “وَاعْقِلْ عَقَلَ قَلْبُكَ” [الترمذي]، فهل هذا موروث جاهلي؟! أم إن معناه: اربط ربط قلبك؟!!

– وانظروا هذه المعاني الأخلاقية التي افتراها المؤلف لمصطلح العقل، أو التي لم يفهمها، كيف أنه يحاسب القرآن والعلماء والبشرية به؟!!

صـ 152-154: “إذا كان العقل القرآني قد طرح معناه وأصله وأساس تشكيله ضمن الآيات التي تبحث في مظاهر الطبيعة وظواهرها وعلاقاتها المتشابكة، فإن مجال عمل العقل القرآني المتشكل للتو…ينطلق في المجال الحضاري المدني المتعلق بسقوط وقيام الحضارات… في مجموعة عوامل مادية واجتماعية”، ثم استشهد لذلك بعشرات الآيات.

– أصبحت هذه الفكرة قاعدة ثابتة يقينية، لا يمكن نقدها، فهي يقينية الثبوت والدلالة بصورة تفوق القرآن، حتى أصبحت أصلاً يستدل به.

– المؤلف معتاد على مسح كل شيء ثابت، ثم إنشاء الجديد!! أما الإسلام فقد جاء على خلاف ذلك، فقد قال صلى الله عليه وسلم: ” خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا “، فهو يرقى بالعقلية ولا يشكلها من جديد (للتو)، فالعقل القرآني ليس متشكلاً للتو.

– العوامل في الشواهد التي أدرجها المؤلف ليست مادية واجتماعية، بل هي عوامل دينية، والعوامل المادية والاجتماعية هي عوامل ثانوية تابعة للعامل الرئيسي الديني. ولك أن تنظر إلى الكلمات التالية في الشواهد لتتأكد: ففسقوا – أكبر مجرميها – ليمكروا – ظالمة – تعمى القلوب – يبعث في أمها رسولاً – ظالمون – وما أرسلنا في قرية من نذير – كافرون – فأعرضوا – كفروا – الكفور – وظلموا أنفسهم – بعاد، وثمود، وفرعون الذين طغوا – لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً – أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. فهل هذه عوامل مادية اجتماعية؟!!

صـ 154: “السيل العرم والصاعقة والبركان والزلازل هي مجرد مظاهر لكوارث طبيعية ألحقت الدمار النهائي بمجتمع منهار أصلاً؛ تفسخ واندثر بالظلم والترف والفسوق والبطر… أسباب مادية بمعنى ما، وروحية إذا شئنا بمعنى آخر. كلها مظاهر ينعدم فيها الفاصل بين المادة والروح، والقيم التي تذبح على مذبح هذه المظاهر قد تكون قيم روحية، لكن مرتبطة أيضاً بأسباب وعلاقات ومؤسسات مادية… وهكذا يتشكل العقل المسلم… وينهار المجتمع فعلياً قبل أن تنزل الصاعقة… بالوقت نفسه فإن المجتمع المتماسك… يمكن أن يصمد أمام كارثة طبيعية مثل زلزال أو بركان، ويواصل البقاء والوجود بطريقة أو بأخرى… فالعقوبة الإلهية المتخذة شكر الكوارث الطبيعية ليست أكثر من فصل أخير من فصول الانهيار القيمي الاجتماعي المتسبب عن خلل في توازن توزيع الثروة”.

– ليست مجرد مظاهر، وليست كوارث طبيعية، ولكنها عذاب مصدره الله عز وجل.

– المجتمع المتفسخ استحق العقوبات الصغيرة بسبب معاصيه مهما عَظُمَت، لكن قبل هذا حصول الكفر والجحود بالله منهم.

– هل يعتقد المؤلف أن جحد حقوق العباد يستحق العقوبة “الطبيعية” أكثر من الكفر بالله، بل إن جحد حقوق الله لا يستحق العقوبة تبعاً لأسباب ومسببات المؤلف!! فما سبب الطمس الكامل لهذا الأمر؟!!

– انعدام الفاصل بين المادة والروح صحيح، لكن الكفر الذي طمس المؤلف عينيه عنه ليس فيه أسماء مادية، ثم ندم على ما قال في الجملة التالية، فأعاد الروح للمادة مرة أخرى.

– وهكذا يتشكل العقل المسلم بطريقة وأسلوب مادي مجرد!! فأوهام المؤلف هي النظرة القطعية للإسلام والقرآن!!

– الانهيار الأخلاقي قبل “الكارثة الطبيعية” عند المؤلف، فهل هذا تحكم من المؤلف على الله والعياذ بالله فيما سيكون قبل أو بعد؟!! فهو يفعل ما شاء، متى شاء، في أي مكان شاء!!

– إذا حصلت كارثة دون مقدمات أو أسباب، ودون انهيار أخلاقي، بهدف الابتلاء والامتحان مثلاً، فكيف للمؤلف أن يصمد أمام الزلزال مثلاً بطريقة أو بأخرى؟!!

– وجهة نظر المؤلف أن قلب الأرض وجعل عاليها سافلها بقوم لوط هو “كارثة طبيعية”.

– وفي النهاية يحصر المؤلف كل العلوم الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية في قطارة يقطرها بشكل متسلسل نقطة نقطة، وهي خلل في توازن توزيع الثروة.

صـ 160: “الآيات… تتجه باستمرار نحو جهة واحدة: التفكر في الأسباب وراء ذلك، البحث عنها، اتباعها، ارتقائها… الخطاب القرآني… لا يضعنا داخل إطارات محددة وقوالب جاهزة للبحث عن الأسباب، فقط خطوط عامة تعبر عن تنوع النفس البشرية ومرونتها لكل الاحتمالات”.

– قال تعالى: { وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا} [الإسراء: 100]، فهذا سبب، فهل نبحث عنه ونتبعه ونرتقي فيه، وهل الآية تدعونا للبخل تبعاً للأسباب؟!! وكذا الآيات: 7، 9، 12، 13، 14، 15، 16.

– النفس بناء على النظرية المادية المجردة هي متنوعة ومرنة لكل شيء دون استثناء كما قال المؤلف. لكن النصوص وضعت بعض الاستثناءات التي تحدد هذه المرونة المطلقة أغفلها المؤلف، وهي: {إلا المصلين}، {إلا الذين آمنوا}، {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}، أي أغفل عيوبها وداراها فبقيت مرنة مع المادية المطلقة التي يتكلم عنها المؤلف.

صـ 167-169: يقول ساخراً من أبي حامد الغزالي: “إذن الاحتراق ليس موجباً عن النار، وكان يمكن أن يحصل عقب المساس بالماء لا النار؟… الكلمة الأخيرة للمدرسة التي ستسود وتنتصر وتكتب نهاية العقل السليم”، ثم يفتري على الغزالي فيدعي أنه يقول: “لا علاقة سببية تربط هذه الظواهر”. ثم يقول: “وهذا يجوز لكل واحد منا أن يكون بين يديه سباع ضارية، و… وهو لا يراها؛ لأن الله سبحانه وتعالى ليس يخلق الرؤية له… وانقلاب الحجر ذهباً والذهب حجراً… فإن الله تعالى قادر على كل شيء… فلعله خلق أشياء لم يكن لها وجود من قبل”.

– أن يحصل الاحتراق عقب المساس بالماء فهذا صحيح، وليس على الله بعزيز، تماماً كما حصل مع إبراهيم عليه السلام عندما صارت النار برداً وسلاماً، أي كالماء العليل.

– يصور العلماء على أنهم عملاء للسلاطين ويخدمون أهدافاً وأغراضاً سياسية، ويتغافل عن كونهم جميعاً سُجنوا بسبب معارضتهم للسلاطين!!

– أما نفي العلاقة السببية بين الظواهر فلم يقل به أحد، وهو محض افتراء من المؤلف، فالسببية موجودة، لكنها أيضاً من وضع الله.

– يبدو أن المؤلف لم يقرأ السيرة من قبل، فعدم الرؤية حصل مع أبي جهل عندما لم ير النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس نصب عينيه. أما انقلاب الحجر ذهباً فيقول عبد الرحمن بن عوف بعد أن دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة: ” فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَلَوْ رَفَعْتُ حَجَرًا لَرَجَوْتُ أَنْ أُصِيبَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً”. أما خلق أشياء ليس لها وجود، فهو { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117].

– قوله: “فإن الله تعالى قادر على كل شيء” هل هو استهزاء بالغزالي لعداوة بينهما، أم بأفكار المخالفين، وهو من أدب الخلاف واحترام العدو وسؤاله الذي يدعو له المؤلف، أم إنه استهزاء بالله وانتقاص من قدرته والعياذ بالله؟!! تنزه الله وتعالى عما تقول علواً كبيراً.

.

الأوصاف الإيحائية الغريبة:

صـ 91: يحاصر المخاطب، يضعه في زاوية ضيقة، يصفعه، يجبره على أن يفكر. صـ 97: يصفعنا السؤال القرآني. صـ 102: السؤال الذي يدور في باله سيحطمه. صـ 104: الأسئلة التي هي في حقيقتها ألغام وقنابل تنسف العالم القديم المتداعي. صـ 122: أجهضوا، واغتالوا، وذبحوا، وسطحوا، وزيفوا. صـ 149: وبينما عملت الظروف التاريخية على إقالته وقتله، بل ودفعه للانتحار. صـ 170: بعيداً، نائياً، سحيقاً موغلاً في الاغتراب.

لقد تكررت كثيراً في الكتاب، وهي كلمة “التماهي – المتماهي”، فهي ليست عربية ولا أعجمية، فما هو أصلها ومعناها؟!!

.

وأخذاً بنصيحة المؤلف في الشك والسؤال، يتردد في قلبي السؤال من جديد: من مؤلف هذا الكتاب؟! إذ يستحيل أن يكون من صياغة أو تأليف طبيب أسنان. بل يستحيل أن يكون من تأليف شخص واحد!!

Advertisements

13 thoughts on “قراءة في كتاب أحمد خيري العمري: البوصلة القرآنية

  1. كتاب ‫#‏البوصلة_القرآنية‬ للكاتب د.أحمد خيري العمري
    كتاب يحتاج الى مراجعة وتدقيق ، لا يغر ما فيه من عبارات منمقة ، بل يجب أن نقف على بعض المواضع التي تحدد بوصلة تفكير الكاتب .
    مبدئيا وباختصار اتحدث عن ثلاث نقاط:
    الاولى أن الكاتب ذكر عبارة(ففي كهوف العصر الحجري ، كان الانسان البدائي …) أي انسان بدائي أليس أول البشر آدم ، أما كان قد خلق في أحسن تقويم . لربما يحتاج الكاتب الى مراجعة ذلك فمصادرنا ليس خيالات الشعوب الأخرى .
    وثانيا في ذكر سياق قصة حوار ابراهيم مع قومه عندما تحدث عن الشمس والكواكب انها ربه ، بين الكاتب أن ابراهيم كان حائرا يبحث عن ربه ويتقلب بين الكواكب والنجوم ، لكن حقيقة الأمر أن ابراهيم كان في حوار عقلي يبرهن لهم خطأ معتقداتهم ومن يقرأ تفسير الآيات يعرف ذلك خاصة الآية التي تأتي بعد الحوار (وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه ) وهذا ايضا يبين فقر الكاتب لحقيقة الىيات وبالتالي طرح مفهوم غير صحيح.
    وثالثا عندما تحدث عن طلب ايراهيم عليه السلام أن يرى كيف يحيي الله الموتى قال الكاتب أن ابراهيم أعلن عن حاجته الى اعادة النظر لوجود عدم طمأنينة وشك ، ويبدو أن الكاتب لم يفهم رد ابراهيم لله تعالى عندا ساله (أولم تؤمن ) قال ( بلى ولكن ليطمأن قلبي ) وهنا اراد ابراهيم ايمان عين اليقين بالرؤية حتى تكون له سندا اكبر في دعوته وليس من باب الشك .
    ربما في الامر بقية ، فما زالت الصفحات تتقلب بين يدي .
    وربما يحتاج الكاتب الى مراجعة الكتاب

  2. الحسد …. لو أثبت من أين اتى هذا الكتاب … بالدليل القاطع … ومن الذي ألفه ؟؟ لكان أفضل من هذا الخريط … انت تقول انه من تاليف مجموعة مؤلفين … ( ما شاء الله العمري مجموعة مؤلفين كي يستطيعوا تأليف مثل كتابك) أثبت من هم هؤلاء المؤلفون .. وأين كتابهم هذا ….؟؟؟

  3. و الله .نحن في زمن كل شيء صار فيه كذب . من الرؤساء الكلاب يلي كنا نفكر انهم المخلصين و طلعوا خونة و حرب تشرين و النكبة ووو
    و اليوم بعد ما وصلنا للذل العسكري و السياسي و الخلافة انتهت . بقي شيء واحد هو التبرئ من الماضي . و الغرب والله يعمل و الله انا لست مع نرية المؤامرة لكن ها امر واقع و هذا ذكاء من الغرب على فكرة .
    اقرؤوا كيف حزب اللات و بشار خدعونا لسنين و ابوه من قبل . و اليوم ياتي إلينا “مجددين ” من امثال عدمان و البحيري و العمري و غيرهم ليشوهوا الدين و اكيد لن ياتوا يقولوا نحن نريد تشوه الإسلام بل شوي شوي فكرة ورا فكرة حتى ينتهوا و تذكروا كلامي في المستقبل بتأسيس مذهب جديد كما حصل مع الرافضة . ليزيدوا تشرد المسلمين . ادعوا الله ان يوحد صفنا و يرمي هذه الفضلات من بيننا . المشكلة ما في علم شرعي الواحد يحكم الصح من الخطا .
    المشكلة اساليب التاثير العقلي و دس السم بالعسل و استعمال عواطف الناس . و الله نحن بمصيبة كبيرة لازم ننتبه عليها و الله يهدينا جميعا

  4. “مدح العلمانيين وغير المسلمين:

    صـ 16: والكلام عنه صلى الله عليه وسلم: “بدا ذلك الرجل أنه سيكون واحداً من تلك الأقلية المستنكرة؛ مثل الأحناف، أو بعض النصارى من العرب”.

    فما وجه كون الأحناف أقلية، وما وجه ربطهم بالنصارى؟!! فلا هم أقلية من حيث العدد، ولا وجه لمقارنة المذهب الفقهي الذي خلافه في الفروع، بالديانة التي تخالفنا في الأصول!!!”

    سيدي الفاضل: الأحناف هنا جمع لكمة “أحنف” والتي تجمع أيضا على “حنفاء” ويمكن ان تأتي كجمع دال على مقلدي المذهب الحنفي رغم ان جمع “حنفية” أكثر دقة ربما…

    السياق والدلالة واضحين ولا ادري كيف غاب عنك ذلك.

  5. دكتور السلقيني حفظك الله .. جزاك الله خيرا على مجهودك واعزك الله بنصرتك لدينه ..
    نقطتان شيخنا لو تكرمت:
    اظن ان مقصود العمري عن الاحناف هم من كان يتعبد الله على دين الحنيفية قبيل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم وليس مقصوده الحنفية (اي اتباع الامام ابي حنيفه رحمه الله)
    النقطة الاخرى: وددت لو تواصلت مع بعض اخوانك من العلماء والمشايخ المهتمين بشأن الانحرافات الفكرية المعاصرة وذلك لمراجعة ونقد وتنقيح مجهودكم في هذا الشأن والخروج به اكثر دقة وتحريرا، وهذا من باب الاجتماع على الخير كما لا يخفى عليكم ان خصومكم قد تآلفوا واجتمعوا على باطلهم
    واخيرا ادعو الله ان يحفظكم ويسددكم للحق

  6. اجمل ما بالموضوع ان اسمك نكرة والدكتور كل الدنيا تعرفه

  7. شيخنا قلت انك تقطع بأن عدة مؤلفين الفوا هذا الكتاب. ولكنك لو تتبعت كتبه (الواح ودسر، سيرة خليفة قادم وغيرها لوجدت نفس الاسلوب وانا لا انكر اخطاؤه الكثيرة ولكن لا انكر ايضا انه مؤلف عبقري

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s