إرهاصات نبوة حبيب الله صلى الله عليه وسلم

9497-12-4-1426-20-5-2005 إرهاصات نبوة حبيب الله-الخليج-ص2

مقالة في جريدة الخليج الإماراتية ص 2

العدد 9497

بتاريخ 12/ 4/ 1426هـ

الموافق 20/ 5/ 2005م

يقول الله تعالى: { أ لم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * أ لم يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيراً أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول } [الفيل].

جاء أبرهة بجيش من الفيلة لهدم الكعبة -في عصرنا لا تعني الفيلة شيئاً، أما في عصرهم فهي دباباتهم ومدرعاتهم- جاء أبرهة بأسلحته الثقيلة يريد هدم الكعبة؛ فهرب أهل مكة إلى الجبال خوفاً منه. ولما اقترب من الحرم أغار على مواشي الناس وأنعامهم، فجاء عبد المطلب جده صلى الله عليه وسلم إلى أبرهة يطلب إبله. فتعجب أبرهة من طلبه وقال: ظننت أن تكلمني في بيتكم هذا الذي هو شرفكم!! قال عبد المطلب: أردد علي إبلي ودونك البيت فإن له رباً سيمنعه أو سيحميه. فرد عليه إبله، فلما قبضها قلدها النعال وأشعرها وجعلها هدياً، ونشرها في الحرم لكي يغضب الله سبحانه إن أصيب منها شيء. ثم صعد حراء وقال:

لاهم إن المرءَ يمنعُ رحلَه

فامنع حِلالك

لا يغلبن صليبُهم ومحالُهم

غدواً محالك

إن كنت تاركَهم وكعبتَنا

فأمرٌ ما بدا لك

فجاءت الطيور جماعة في إثر جماعة.. جاءت كتائب السماء وجنوده، ترميهم بحجارة تخترق أجسادهم كأنها الرصاص.. تدخل في رأس أحدهم فتخرج من دبره، وتدخل في ظهر الفيل فتخترق حشاه لتسقط على الأرض.. هجوم مباغت لم يكن يحسب أعداء الله حسابه.

{ أ لم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } لم يفعل ذلك تفضلاً على قريش، ولم يتمنن عليهم بهذه الحادثة. وإنما فعل ذلك حماية لبيته الحرام، وهو قادر على فعلها مرة أخرى حماية لدينه ورسوله صلى الله عليه وسلم، كما فعلها من قبل في عام مولده صلى الله عليه وسلم؛ عام الفيل.

هذا كان الإرهاص الأول من إرهاصات نبوته صلى الله عليه وسلم.. ولد في عام حصلت فيه حادثة عظيمة، ليكون ذلك تأريخاً لحياته صلى الله عليه وسلم، وتأريخاً لبعثته، وتأريخاً لمراحل دعوته، وتنقلاته الدعوية، وهجرته، وغزواته، ومعاهداته، ووفاته.. لم يكن للعرب تقويم يسيرون عليه، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم وجِدَ تقويمه معه حتى تكون حياته صلى الله عليه وسلم سجلاً كاملاً نقتدي به.. حتى يعلم العالم كله أن بعثته صلى الله عليه وسلم لم تكن إلا بعد أن بلغ أشده أربعين عاماً، ولو كان ادعاؤه كاذباً لما انتظر كل هذه السنين.. لو كان كاذباً لادعاها في وقت الشباب ونشوته، كما يحصل مع المعتوهين من أدعياء النبوة في عصرنا.. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث معه صلى الله عليه وسلم؛ لقد جاء إلى الوجود ووثيقة ميلاده معه. ختم عليها التاريخ بحادثة عظيمة، ولم يختم عليها أطباء يُحتمل اتهامهم.

الإرهاص الثاني: ما روي أن عبد المطلب لما نزل اليمن بتجارته، رآه رجل مسن له علم بكتب اليهود والنصارى، فقال له: أ تأذن لي أن أفتش مكاناً منك؟ فقال عبد المطلب: نعم، إن لم يكن عورة. فنظر الرجل في منخريه وقال: أشهد أن في إحدى يديك ملكاً وفي الأخرى نبوة، وإنا نجد ذلك في بني زهرة، فكيف ذلك؟ فلما رجع عبد المطلب إلى مكة تزوج هالة بنتَ وهب بن عبد مناف بن زهرة، ولما كَبُر ولده عبد الله -أحب ولده إليه- زوجه آمنة بنتِ وهب، فولدت له محمداً صلى الله عليه وسلم [البداية والنهاية (2/328) عن أبي نعيم في دلائل النبوة].

{ الله أعلم حيث يجعل رسالته } [الأنعم: 124] لقد اختاره الله سبحانه من ذرية الذبيح إسماعيلَ عليه وسلم، من قبيلة هي أفصح قبائل العرب؛ هي قبيلة قريش. ومنها كان في ذرية هاشم بن عبد مناف، أول من سن رحلة الشتاء والصيف، وصاحب معاهدة الإيلاف التي ضمنت الحماية العسكرية لتجارة قريش { لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتاء والصيف } .. هاشم كريم قريش وأشرفها، وعبد المطلب أول من حفر بئر زمزم بعد دفنها، وعبد الله الذبيح الثاني، والذي فدي بمائة من الإبل، فكانت سنة أوجبها الإسلام في الدية إلى يوم القيامة.. عبد الله الذي عرضت عليه امرأة من أشراف قريش أن يقع عليها مقابل مائة من الإبل، أي مقابل مليون درهم فقال:

أما الحرام فالممات دونه

والحلُ لا حلَ فأستبينَه

فكيف بالأمر الذي تنوينه

يحمي الكريمُ عرضه ودينه

من هذا النسب الشريف خرج محمد صلى الله عليه وسلم، ولد الطاهرين والطاهرات. يقول صلى الله عليه وسلم: « إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم ».. كان صلى الله عليه وسلم أشرف قومه نسباً، حتى لا يتفيهق أحد من المنافقين في عصر النهضة فيطعن في نسبه صلى الله عليه وسلم، أو أن يحط من قدره صلى الله عليه وسلم أملاً في أن يقدح في رسالته.. هذه الأحلام غدت ممتنعة عليهم، فهو الشريف ابن الشريف كابراً عن كابر.. شرف نسبه هو ثالث إرهاصات نبوته، فعن أبي سفيان رضي الله عنه أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجاراً في الشام قبل إسلامه، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم فقال: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا أقربهم نسباً. فقال: أدنوه مني، وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال: إني سائل هذا عن هذا الرجل (أي عن النبي صلى الله عليه وسلم) فإن كَذَبَني فكذبوه. قال أبو سفيان: فوالله لولا الحياء أن يأثِروا علي كذباً لكذبت عليه. ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحدٌ قط قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا.. فقال: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول، فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله. وسألتك: هل كان من آبائه من ملك، فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك قلتُ رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم. فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه (أي لتحملت الصعاب للقائه) ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه [البخاري/بدء الوحي (7)]. هذه مقالة ملك الروم.. هذه مقالة زعيم الكتلة الغربية.. فأين عظماء الأرض وزعاماتها ليؤمنوا به صلى الله عليه وسلم؟! أم أن الحقيقة لم تعد لها قيمة في عصرنا، فقد أصبحنا في عصر المصالح.

الأمارة الرابعة من أمارات نبوته صلى الله عليه وسلم في ميلاده وما قبله: أن الله عز وجل اختاره من وسط قومه، ليكون ذلك أدعى لقبول دعوته صلى الله عليه وسلم، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا وله فيه قرابة [البخاري/المناقب (3497)]. لم يُبعث صلى الله عليه وسلم ليشن حرباً على قريش برسالته، ولكنه كما قال سبحانه: { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم } [التوبة: 128].

الأمارة الخامسة من أمارات نبوته: أن اسم محمد لم يكن على عادة العرب التسمية به. ولكن الصحابي الجليل محمد بن مسلمة الأوسي الأنصاري سمي محمداً؛ سمي كذلك تيمناً بالنبي المنتظر، لما كان أهله يسمعون من جيرانهم اليهود أن نبياً سيبعث بهذا الاسم. أما سلمان الفارسي رضي الله عنه، فقد هرب من دين والديه المجوسية يتنقل في البلدان بين عباد النصارى، كلما مات أحدهم انتقل إلى الآخر، حتى قال له آخرهم: يا بني -والله- ما أعلم أن هناك أحد من الناس بقي على ظهر الأرض مستمسكاً بما كان عليه.. ولكنه قد قرب زمان يخرج فيه بأرض العرب نبيٌ يبعث بدين إبراهيم، ثم يهاجر من أرضه إلى أرض ذات نخل بين حرتين، وله علامات لا تخفى، فهو يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل [صور من حياة الصحابة صـ110]. العالم كله كان ينتظر قدومَه صلى الله عليه وسلم إلى الوجود. أرباب الديانات السماوية يرقبونه قبل أن يسمعوا بوجوده، ولكن هل دفعهم هذا للإيمان؟!! { ولما جاءهم رسول من عند الله مصدقٌ لما معهم، نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون } [البقرة: 101].

هذه بعض أمارات النبوة من مولده صلى الله عليه وسلم، وما يتصل بمولده صلى الله عليه وسلم. وآخر ما أقول في ذلك ما رواه مسلم بسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: « فيه ولدت، وفيه أنزل علي » [الصيام (1162)].

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s