نقطة الانكسار .. وخروج المسلمين من دائرة الحصار

نقطة الانكسار وخروج المسلمين من دائرة الحصار

يؤمن المسلمون في أقطار الدنيا إيماناً جازماً بأن القرآن الكريم هو رسالة الله إلى البشرية ، وهو الدستور الخالد الذي حوى حلاً لكل مشكلاتهم ، ويؤمنون أيضاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى ، وأن الفترة التي عاشها صلى الله عليه وسلم هي المثل الأعلى والنموذج الكامل الذي يجب أن يحتذى . ولا حاجة لسرد الأدلة من نصوص الكتاب والسنة لأنها كثيرة ، ولا حاجة أيضاً للأدلة العقلية لأنني أكتب لقراء مسلمين .

في عصرنا كثيرة هي الجهود والنشاطات الدعوية وغير الدعوية التي يقوم بها المسلمون لخدمة هذا الدين ، فإذا فرضنا أن تلك الجهود في مجموعها تمثل صورة للجهد الذي كان يقوم به النبي صلى الله عليه وسلم ، فأين موقعها الزمني إذن من النشاط الدعوي وغير الدعوي الذي كان يقوم به المصطفى صلى الله عليه وسلم .

كثيرة هي الكتابات التي حاولت أن تُقَيِّم مقدار الجهد المبذول من المسلمين لخدمة هذا الدين ، ومدى كفايته من جهة ، ومدى ضعفه عند مقارنته بالجهد الذي كان يبذله النبي صلى الله عليه وسلم والمعاناة التي كان يلاقيها من جهة أخرى . والفكرة التي أقدمها هنا لا علاقة لها بمقدار الجهد ولا بمدى المعاناة ، ولكنها مجرد تأملات في السيرة النبوية نتمكن معها من تحديد الموقع الزمني لواقعنا اليوم (الصراع بين الحق والباطل وجهود المسلمين) من التسلسل الزمني لسيرة الرسول القدوة صلى الله عليه وسلم .

في يوم من الأيام كان العالم يتصارع في حربين عالميتين طاحنتين ليفوز كل طرف بنصيب الأسد من رقعة العالم الإسلامي المنهك ، والمسلمون يجلسون موقع المتفرج الذي يراقب ما يحدث ، وأحياناً كان بعضهم يشجع أحد الأطراف على سحق غيره ، وهو لا يعي على أي شيء هم يتنازعون !! بأبي وأمي أنت يا رسول الله حين قلت : ” يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا “ ، فَقَالَ قَائِلٌ : وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : ” بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ “ ، فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَسُولَ اللهِ ، وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ : ” حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ “ [أبو داوود في الملاحم : تداعي الأمم على الإسلام (4297)] .

نعود إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم حيث استنفر المشركون أنفسهم لمواجهة حقيقية مع الإسلام ، وإن ادعوا أنهم يقاتلون ساحراً أو كاهناً أو مجنوناً أو رجلاً ينافسهم الزعامة أو غيرها من الألقاب التي كان المشركون يطلقونها على الأنبياء قديماً وتم تطويرها فيما بعد . وهذه هي تماماً الخطوة الأولى من خطوات المواجهة التي بدأت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين ، عدم التصديق أولاً ، ثم إطلاق الألقاب التي تبرر إعلان الحرب وتساعد في الحصار الفكري الذي يمنع الناس من اعتناق الإسلام ثانياً .

ثم تجاوز الصحابة رضي الله عنهم تلك المرحلة إلى مرحلة ملاحقة المشركين للضعفاء من الصحابة ، والتضييق على الأقوياء منهم ، ثم تجاوزوا ذلك إلى مرحلة حصار المسلمين جميعاً دون تفريق بين قوي وضعيف ، فأُدخِل المسلمون جميعاً في شِعْبِ أبي طالب ، هم ومن حالفهم وناصرهم من المشركين أيضاً ، لقد كان كل صحابي محاصر حينئذ بحق دولةً في قوته وشموخه وصبره ، لكنه هذا لا يمنحه الحصانة من الحصار ما لم يرضخ لأوامر المشركين ..

لم يتغير شيء ، فالمسلمون جميعاً محاصرون اليوم أيضاً في شعب يمتد من حدود الصين إلى المحيط الأطلسي . .

وإذا انتقلنا إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وجدنا المراحل هي ذاتها التي كانت في مكة : دعاية ، ثم مواجهة وصراع ، ثم حصار وتضييق ، ثم لحظة الانكسار ، وهي الهجرة من مكة في السيرة المكية ، وغزوة الأحزاب في السيرة المدنية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعد تلك الغزوة : ” الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلا يَغْزُونَنَا ، نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ “ [البخاري في المغازي : غزوة الخندق (4110)] .

والفرق بين السير المكية والمدنية أن المسلمين لم يكن لهم كيان في مكة ، وهم مضطهدون على كل حال ، أما في المدينة فقد كان لهم كيان مستقل ، والأمور كانت تأخذ منحى الكر والفر . ولا ندري في عصرنا هل للمسلمين كيان مستقل ؟ أم أن العالم كله أصبح رقعة شطرنج يعبث ببيادقها أبو جهل وأبو لهب والوليد بن المغيرة وغيرهم ؟! وأياً كان الأمر فالمراحل هي ذاتها ، فلا حاجة لإرهاق النفس في التفريق بينهما .

ولربما شاء الله – لحكمة يعلمها – أن يجمع لنا ملامح السيرتين المكية والمدنية معاً في حياتنا هذه لنتهيأ لعالمية الإسلام التي تجمع خلائط الدنيا وأجناس الناس كلها في بوتقة واحدة ، أو أن المواجهة الصريحة في عصرنا قد تجر الويلات على العالم أجمع ، فأدوات تدمير الأرض بيد أناس حرمهم الله من نعمة التعقل .

وإذا كان الكلام عن المرحلة الزمنية فإن القارئ سيتساءل فوراً : ما هي الفترة الزمنية التي ستستغرقها كل مرحلة ؟

إن الفترة الزمنية تتحدد بأمرين : قوة طرفي الصراع والقدرة على الحسم .

وفي شريعتنا الإسلامية يمثل الإيمان القوة العظمى المسببة للنصر ، ليس على صعيد الصراعات الفكرية فحسب ، بل على صعيد المواجهات العسكرية أيضاً ، فقد قال تعالى : { فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مائتين ، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله ، والله مع الصابرين } [الأنفال : 66] ، فأثبت الله سبحانه وتعالى النصر مع قلة العدد ، وأعرض عن ذكر العتاد ، ثم خص ذلك النصر بالصابرين ، وعلقه { بإذن الله } . والتاريخ بطوله يثبت أن المسلمين لم ينتصروا يوماً بعدد أو بعدة . فكلما قوي إيماننا قلت الفترة الزمنية ، فإذا دامت مرحلة الحصار في شِعْبِ أبي طالب عامين ، فإن مرحلة الحصار في عصرنا قد تدوم لعشر سنوات أو أكثر مع ضعف إيماننا .

أما القدرة على الحسم (نقطة الانكسار) فهي { بإذن الله } ، قال تعالى : { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ، وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ، والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين * أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين } [آل عمران : 140-142] .

اقتربت لحظة الانكسار . فالنصر والغلبة حينئذ إما للمؤمنين أو للكافرين ، فكان المحق من الله للكافرين ، وقد مَحَقَ اللهُ جل جلاله كفار مكة من قبل في غزوة الأحزاب كما سبق .

في عصر النبي صلى الله عليه وسلم كان الصراع صراع بقاء ، أما في عصرنا فقد غدا صراعاً على العولمة ، فالإسلام يستحيل استئصاله من جهة ، ومن جهة أخرى هو دين عالمي الوجود والفكر ، فالمسلمون ينتشرون في كل أقطار الدنيا ، وأفكار الإسلام : إيمان ، وأخلاق ، وتشريع ، ومعاصرة (ومنها الإعجاز العلمي) . أما أعداء الإسلام فقد اصطبغوا بالإلحاد – حتى أهل الكتاب منهم – ، والأخلاق لا يمكن لها أن تقف في وجه المصالح كما يعتقدون ، والتشريع الوضعي عاجز عن مجاراة العولمة ، وأرباب علوم العصر أصبحوا يدخلون في دين الله أفواجاً سراً وعلانيةً .

متى تكون نقطة الانكسار ؟ وأين ؟ وكيف ؟ لا أحد يعلم إلا الله { بيده مفاتيح الغيب } ، ولكن ما إن يمحق الله الكافرين حتى تتلاحق الأحداث بسرعة ليس لها نظير ، هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم فكانت الدولة ، ونصر الله المسلمين في غزوة الأحزاب فدخلت جزيرة العرب في الإسلام ، ثم ما لبث المسلمون أن فتحوا القوتين الشرقية ثم الغربية ؛ فارس والروم . كل ذلك في نصف قرن ، نصفها في الجزيرة العربية ، ونصفها في فارس والروم !!

وإذا كانت مكة المكرمة في يوم من الأيام قرية صغيرة من قرى العالم الفسيح ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه ” لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان “ [البخاري في الجمعة : ما قيل في الزلازل والآيات (1036)، وفي الفتن : خروج النار (7121)] ، وقد كان ما أخبر به صلى الله عليه وسلم ، ونتج عن تقارب الزمان تقارب البلدان ، فعالمنا الفسيح هذا لم يعد إلا قرية صغيرة تشابه إلى حد كبير أم القرى في كثير من أحداثها !!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s