نظام العولمة الصادقة – تأملات في سورة الفاتحة

العولمة الصادقة-الخليج

مقال في جريدة الخليج الإمارتية ص 7

العدد 9371

بتاريخ 3/ 12/ 1425هـ

الموافق 14/ 1/ 2005م

من المفارقات أن تجد ارتباطاً وثيقاً بين مصطلحات تتردد على أسماعنا صباحاً ومساءً ، وبين نصوص وعبارات نرددها كل يوم ، ولكننا لم نفكر فيها من قبل !! وربما نكون قد فكرنا ، لكننا لم نتفكر فيها ، لأننا لم نعي بعد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في التفكر في كل شيء إلا في ذاته سبحانه وتعالى !!

ربما ينقصنا التفكير ، وربما ينقصنا التفكر ، وربما تنقصنا أمور كثيرة أخرى ذكرها الله جل جلاله في كتابه أو علمنا إياها نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وخلاصة القول أننا نفتقد الرجوع إلى ربنا وتشريعاته التي اختارها لنا .

كلنا يقرأ الفاتحة في صلاته سبع عشرة مرة في الفروض ، عدا السنن الراتبة والنوافل . ومن أسماء الفاتحة ” أم الكتاب “ ، فقد حوت الفاتحة معاني العبودية لله بأنواعها ، ومعاني الهداية والضلال بأنواعها . هذا فيما يخص الفرد ، فكيف بما يخص الجماعة ، وقد جاءت فيها الألفاظ بصيغة الجمع : { نعبد ، نستعين ، إهدنا ، الذين أنعمت عليهم } .

وقبل أن أعرج إلى تأملات السورة أود أن أذكر عبارة نقلها ابن حجر عن ابن بطال في شرح حديث ” إن لله تسعة وتسعين اسماً ، من أحصاها دخل الجنة “ ، وهي قوله : ” طَرِيق الْعَمَل بِهَا أَنَّ الَّذِي يُسَوَّغ الاقْتِدَاء بِهِ فِيهَا – كَالرَّحِيمِ وَالْكَرِيم – فَإِنَّ الله يُحِبّ أَنْ يَرَى حِلاهَا عَلَى عَبْده , فَلْيُمَرِّنْ الْعَبْد نَفْسه ، عَلَى أَنْ يَصِحّ لَهُ الاتِّصَاف بِهَا . وَمَا كَانَ يَخْتَصّ بِاَللهِ تَعَالَى – كَالْجَبَّارِ وَالْعَظِيم – فَيَجِب عَلَى الْعَبْد الإِقْرَار بِهَا وَالْخُضُوع لَهَا ، وَعَدَم التَّحَلِّي بِصِفَةٍ مِنْهَا , وَمَا كَانَ فِيهِ مَعْنَى الْوَعْد نَقِف مِنْهُ عِنْد الطَّمَع وَالرَّغْبَة , وَمَا كَانَ فِيهِ مَعْنَى الْوَعِيد نَقِف مِنْهُ عِنْد الْخَشْيَة وَالرَّهْبَة . فَهَذَا مَعْنَى أَحْصَاهَا وَحَفِظَهَا ، وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ مَنْ حَفِظَهَا عَدًّا وَأَحْصَاهَا سَرْدًا وَلَمْ يَعْمَل بِهَا يَكُون كَمَنْ حَفِظَ الْقُرْآن وَلَمْ يَعْمَل بِمَا فِيهِ “ .

ومن هذا المنطلق درست عالمية السورة وعالمية الإسلام من خلال سورة الفاتحة ، ثم نظرت فيما يجب علينا أن نتخلق به من كل اسم أو صفة من صفات الله جل جلاله الواردة في السورة ، وربطت ذلك كله بتفسير العلماء للسورة .

{ الحمد لله رب العالمين } :

في هذه الآية ركنان :

الركن الأول : التربية : فالسورة تبدأ بتقرير الربوبية لله عز وجل . قال الرازي في تفسير الآية : ” قوله أول سورة الفاتحة : { رب العالمين } إشارة إلى التربية العامة في حق كل العالمين “ . فمن يريد أن يحكم العالم فهو مسؤول عن تربية البشر وتوجيههم إلى عبادة الله وحده المستحق للعبادة ، ومسؤول عن دعوتهم إلى الحق والفضيلة بالحكمة والموعظة الحسنة . قال تعالى : { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } [البقرة : 256] .

فإذا تسلط إنسان على البشر بغير ذلك كان فرعوناً وطاغوتاً ، وهنا يبرز نوعان من التسلط المحدود إما زماناً أو مكاناً :

1- قال تعالى عن فرعون : { فاستخف قومه فأطاعوه ، إنهم كانوا قوماً فاسقين } [الزخرف : 54] ، وهذا النوع من السيطرة على العقول بالخداع والكذب والدجل ونشر الفساد في الأرض لا يمكن له أن يصبح عالمياً ، فالعالم فيه الكثير من المؤمنين والعقلاء ممن لا يُخدع بتزييف المصطلحات ولا يرضى الخنوع للظلم .

2- قال سبحانه وتعالى : { قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد } [غافر : 29] . وإذا كان النوع الأول ليس له دوام مع ما فيه من لين وتظاهر بالإصلاح فالإكراه على اعتناق الباطل ليس له دوام بطريق الأولى ، فالإكراه مدعاة لنفور الناس عدا عن كونه إكراهاً على باطل .

الركن الثاني : أن نستمد عالميتنا منه جل جلاله دون سواه من الفراعنة : فالآية تعلمنا أن الله هو رب كل العوالم دون استثناء ـ ما علِمْنَا منها وما لم نعلم ـ فهو الذي إن شاء أعطانا قيادة العالم ، وهو الذي إن شاء منعنا ، والحمد لله على ما أعطى وعلى ما منع . ونظام العولمة يعتمد التفرد في الملك والقيادة على عالم واحد من العالمين هو عالم البشر ، فكيف يعطينا الله العالمية ونحن نوجه الناس بغير شرع الله ، أو نطلبها من غيره من المخلوقات .

{ الرحمن الرحيم } :

في هذه الآية نتعلم ركن العولمة الثالث ، وهو : الرحمة . والرحمة في هذه الآية نوعان كما نقل الطبري في تفسير الآية عن العرزمي قال : ” الرحمن بجميع الخلق ، الرحيم بالمؤمنين “ [جامع البيان 1/85 دار الفكر – بيروت 1420-1999] . فنوعا الرحمة هما :

1- رحمة عامة بالمؤمنين والكافرين . رحمة بالإنسان والحيوان والنبات . بل رحمة بالجمادات أيضاً ، سماءً وأرضاً وبحراً ، نحميها من التلوث وتدمير البشر . وهذه رحمة عامة لازمة لإصلاح الأرض وعمارتها . قال تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، قال إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة : 30] وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ، الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللهُ “ [الترمذي في البر والصلة : ما جاء في رحمة الناس (1924) ، أبو داود في الأدب : الرحمة (4941)] .

2- رحمة خاصة بالمؤمنين الذين يقومون بأمر الله في الأرض ، وهذه رحمة لا تنتظم علاقة المسلم بغيره من المسلمين إلا بها . قال تعالى : { فبما رحمة من الله لنت لهم ، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر وتوكل على الله ، إن الله يحب المتوكلين } [آل عمران : 3] .

والحظ في هذه الآية كيف أن الله عز وجل لم يأتِ بأوصاف العزيز الجبار المتكبر بعد إثبات ربوبية الله وملكوته على كل العوالم ، فعلمنا بذلك أن الملك لا يكون بالظلم والقهر والطغيان ، سواء كان الملك إقليمياً أم عالمياً ، بل يكون الملك بالرحمة والرأفة .

فإذا قامت العولمة على الظلم والقهر كان كما قال الله جل جلاله عن فرعون : { إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ، إنه كان من المفسدين } ، فهذا النوع من التجبر ليس له دوام ، ويؤكد ذلك قوله تعالى في الآية التالية : { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين } [القصص : 4-5] .

فسنة الله في الكون أنه من استعلى في الأرض سخر الله من أوليائه من يقف في وجهه ويغسل بعدله ما كان من الظلم ، فإذا صار الظلم على مستوى العالم قابله عدل على نفس المستوى . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما روى البخاري : ” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً مُقْسِطاً ، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ “ [البيوع : قتل الخنزير (2222)] ، ومعلوم أن نزول عيسى u يكون بعد خروج الدجال الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه كما روي في البخاري أيضاً : ” لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إِلا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ“ [الحج : لا يدخل الدجال المدينة (1881)] ، فطغيان الدجال على الأرض كلها يقابله عدل عيسى عليه السلام في الأرض .

{ مالك يوم الدين } :

في هذه الآية نجد الركن الرابع للعولمة ، وهي : استشعار رقابة الله ومحاسبته : ففي أي هيكل تنظيمي يكون الأعلى رقيباً على الأدنى ومحاسباً له ، فإذا وصل الإنسان إلى قمة الهرم التنظيمي ضعفت كل وسائل الرقابة والمحاسبة ، ولم يبق إلا استشعار الإنسان لرقابة الله { مالك يوم الدين } أي مالك يوم الحساب الذي يثيب الناس ويعاقبهم .

ويظهر هذا الركن واضحاً في نظام العولمة أكثر من ظهوره في النظام الأممي ، ففي نظام الأمم والدول المتعددة تكون المحاسبة – في غياب استشعار رقابة الله – بتسليط الأمم بعضها على بعض ، وهذا مصداق قوله تعالى : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } [البقرة : 251] . وهذا القانون الأممي في المحاسبة والعقاب سنة كونية يخضع له المسلمون كغيرهم ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ : – وذكر منها – وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ “ [ابن ماجه في الفتن : العقوبات (4068)] . فالمسلمون يفوقون غيرهم من الأمم والدول باتباع شرع الله ومراقبته ، فإذا قصروا في جنب الله أضاعوا الدنيا بترك شرع الله وأضاعوا الآخرة بضعف استشعار محاسبة الله ، فيسلط الله عليهم من يقوم بحقوق الدنيا ما داموا متساوين في التقصير بحقوق الله . ولهذا سلط الله على المسلمين المغول والصليبيين واليهود .

هذا في النظام الأممي ، أما في نظام العولمة فليست هناك رقابة تفوق رقابة الله ومحاسبته لمن حمل على عاتقه مسؤولية إدارة النظام العالمي وتوجيهه .

{ إياك نعبد } :

العبادة تأكيد عملي للإيمان بالله ومراقبته الواردة في الآية السابقة ، وهي الركن الخامس من أركان العولمة الصادقة . فعبادة الله والإكثار من العمل الصالح هي سبب الاستخلاف في الأرض كما قال تعالى : { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً } [النور : 55] .

{ وإياك نستعين } :

الركن السادس من أركان العولمة هو : القوة ، فلا يدوم الملك بلا قوة تقيم أحكام الله في الأرض ، وتعاقب من تجرأ عليها ، وقد تقدم حديث نزول عيسى u .

والقوة الحقيقية هي المستمدة من مصدر كل قوة ، وهي قوة الله الذي من أسمائه ” القوي “ . وانظر كيف أخرت الآيات ذلك الركن حتى صار قبل الأخير ، فالأركان السابقة لها الأولوية من حيث الأهمية ، فالإنسان قد يصل لما يريد بحكمته وإن كان ضعيفاً ، أما من يملك القوة دون حكمة فستكون تصرفاته أقرب إلى الطيش والتهور ، ولا تستغني واحدة عن الأخرى .

{ اهدنا الصراط المستقيم } :

وهذا هو الركن السابع والأخير من أركان العولمة الصادقة : الهداية إلى الحق : أينما كان ، سواء كان في أمر الدنيا أم في أمر الآخرة . فوظيفة النظام العالمي أن يبحث عن الحقيقة ويرشد الناس إليها كما مر معنا في الركن الأول (التربية) ، ويعمل بها في نفسه ويحكمها بين الناس كما في هذا الركن (الهداية قولاً وعملاً) .

{ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليم ولا الضالين } :

تأتي هذه الآية بختام عجيب ربط أول السورة بآخرها ، فأكد معنى الركنين الأول والسابع معاً مرة أخرى بصياغة صريحة ، فهما المقصود الأسمى من النظام العالمي ؛ الوصول إلى الحق لتبليغه للناس أولاً والعمل بالحق ثانياً . ثم بين I سببي الفشل المقيت الذي تتعرض له تجارب العولمة المعاصرة ، وهي أن القائمين على تلك التجارب يتصفون بأحد أمرين :

1- أنهم وصلوا إلى الحق ثم أعرضوا عنه وزيفوه ، وأولئك الذين وصفهم الله بـ { المغضوب عليهم } .

2- أنهم ضلوا عن الحق وغفلوا عنه ، وأولئك الذين وصفهم الله بـ { الضالين } .

فها نحن المسلمين نقرأ سورة الفاتحة في كل ركعة من ركعات صلاتنا ، فأين موقعنا في خريطة العالم ، ومتى سنبني بإيماننا وشرع ربنا النظام العالمي الجديد ؟!

سؤال يجب أن نضع أنفسنا جميعاً أمامه لنحدد الغاية ، ونرسم لها الوسيلة التي تناسبها ..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s